الأدب العربي في السنغال : دراسة موسوعية في المفهوم ، النشأة ، الرواد ، والخصائص الفنية .
مقدمة :
تعد جمهورية السنغال واحدة من أكثر الحواضر والبلدان الإفريقية اهتماماً وعناية بالأدب العربي شعراً ونثراً على مر العصور ، حيث تُعتبر اللغة العربية في هذا البلد لغة دينية وروحية مقدسة ؛ نظرا لأن الغالبية العظمى من شعبها يدينون بمسلك الإسلام الحنيف . ومن هذا المنطلق الروحي ، نرى جل علماء وشعراء هذا البلد المعطاء يوجّهون كامل عنايتهم لامتلاك ناصية اللغة العربية في أنظامهم وكتاباتهم ؛ لكونها لغة القرآن الكريم والبيان الإلهي ، ولغة السنة النبوية المطهرة التي يقتفون آثارها الشريفة في سلوكهم وتربيتهم . ولأجل هذا الغرض المعرفي ، تأسست في ربوع السنغال مدارس عتيقة ، ومحاضر قرآنية ، ومعاهد علمية ، وجامعات رصينة لا حصر لها ولا تعد ولا تحصى ، تخصصت في تدريس علوم اللسان العربي والأدب الفصيح . ولمعالجة هذا الموضوع التاريخي الهام وإحاطته علماً واستقصاء ، سنقف بالتفصيل عند أربعة محاور أساسية : مفهوم الأدب العربي ونشأته التاريخية في السنغال ، أبرز رواد الأدب وأعلام القريض في البلاد مع نماذج من نتاجهم ، وأهم الخصائص والمميزات الفنية والموضوعية التي ميزت الأدب السنغالي ، ثم خاتمة جامعة .
أولاً: مفهوم الأدب العربي ونشأته التاريخية في السنغال .
انطلاقاً من دراسة جذور اللفظ ، فإن الأدب العربي بمفهومه الاصطلاحي والتاريخي ، قد مر بتطورات دلالية عميقة تختلف باختلاف العصور الأدبية التي مر بها ؛ وأول هذه العصور هو " العصر الجاهلي " ، وفيه كانوا يعنون بلفظ الأدب : المأدبة وقِرى الضيف ( أي إطعام الناس والدعوة إلى الطعام في أوقات الشدة) . وفي هذا المعنى الاجتماعي الأصيل يقول الشاعر المخضرم طرفة بن العبد في ديوانه :
نحن في المشتاة ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فينا ينتقر
والآدب في البيت يعني : الداعي إلى الطعام والمأدبة . والمعنى : أننا في فصل الشتاء القاسي والبرد الشديد ندعو الناس إلى طعامنا دعوة عامة (الجفلى) كرامة وسخاء ، ولا ترى الداعي فينا يخص أحداً دون آخر أو ينتقي الأغنياء دون الفقراء .
أما العصر الثاني فهو "عصر صدر الإسلام" ، وفيه تطور المفهوم الدلالي للأدب لينتقل من معنى قِرى الضيف وإعداد الطعام، إلى معنى أسمى وأعلى وهو : التهذيب النفسي ، والتأديب الأخلاقي ، وتربية السلوك . ويتجلى هذا التطور التربوي في الأثر المروي والمشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " أدبني ربي فأحسن تأديبي".
أما في "عصرنا الحاضر وتحديداً في السنغال"، فقد اتسع مفهوم الأدب العربي بمفهومه الحديث ليعني : كل العلوم والمقاصد الفكرية والنافعة التي ينتفع بها الإنسان في دينه ودنياه. وهذا المفهوم الشامل والواسع بات يستوعب في الدرس السنغالي : أبعاد الفلسفة ، وقواعد المنطق ، والترجمات العلمية ، وفنون الصحافة ، والإبداعات التكنولوجية الإنسانية المعاصرة .
أما عن تاريخ وفود هذا الأدب ونشأته ، فقد دخل الإسلام إلى أرض السنغال في القرن الخامس الهجري (الموافق للقرن الثاني عشر الميلادي) . في حين يذهب جمع من المؤرخين والباحثين إلى أن التغلغل الحقيقي والمبكر للإسلام في هذه المنطقة كان من ثمار الفتوحات الإسلامية الأولى التي قادها عقبة بن نافع الفهري ؛ أي منذ القرن الأول الهجري . ويذكر المؤرخون أن هذه البلاد كانت مركزاً تجارياً وخدمياً حيوياً قبيل دخول الإسلام إليها ؛ نظراً لانفتاحها الجغرافي على المحيط والبحر وموقعها الاستراتيجي المتميز . حيث كانت القوافل والبلدان العربية المجاورة - مثل المغرب ، وموريتانيا ، وليبيا - تفد بمنتجاتها وتجاراتها المتنوعة إلى السنغال لغرض البيع والشراء والتقرب من السواحل البحرية . وبأيدي هؤلاء التجار والعلماء الوافدين ، بدأ ينشر الدين الإسلامي بين أفراد الشعب رويدا رويدا ، ولا سيما المذهب المالكي الفقهي والتصوف الجنيدي السني وعقيدة أهل السنة والجماعة .
هذا التلاقح الفكري والتجاري هو ما جعل اللغة العربية تتبوأ مكانة مرموقة ومنزلة سامية في نفوس السكان . ومع إشراقة العصر الحديث ، بلغت العناية ذروتها بدخول الطباعة وتأسيس المحاضر ، وبدأت تظهر الأشعار الفصيحة والمقالات الأدبية الرصينة من خلال روادها الأفذاذ الذين شدوا الرحال إلى موريتانيا وتونس لطلب العلم والتضلع من المعارف ، أمثال : الشيخ عمر الفوتي تال ، والشيخ موسى كامرا ، وضربائهم من جهابذة العلم وسلاطين الأدب .
ثانيا : رواد الأدب العربي وأعلام القريض في السنغال :
وبناء على المحور الثاني ، فإن السنغال بلد جوّاد وحافل بفحول الشعراء وكبار الأدباء الذين صاغوا بمدادهم وتضحياتهم تاريخ هذه الأمة . وهذا مما يدفعنا للتساؤل والبحث: من هم هؤلاء الشعراء الأكثر تأثيراً ورواد الأدب العربي في البيئة السنغالية؟ وللإجابة عن هذا التساؤل إجابة واضحة، ناصعة، ومستقصاة ، نذكر هؤلاء الأمجاد الأبرار :
الأول: الشيخ عمر الفوتي تال (المجاهد والداعية الإسلامي الفذ):
ولد رضي الله عنه في شهر رمضان المبارك عام 1211هـ (الموافق لعام 1796م) في قرية هلوار التاريخية . ويُعد الشيخ عمر من أوائل الأعلام الذين رحلوا من السنغال إلى موريتانيا وتونس طلباً للعلم والاستزادة من الفنون. وخلال رحلته المباركة، زار دياراً وعواصم عربية شتى ، منها : مكة المكرمة ، المدينة المنورة ، بيت المقدس ، ودمشق الشام . وقد ترك رضي الله عنه إرثاً علمياً وأدبياً عظيماً من المؤلفات المبتكرة والمدائح البليغة . وفي شأن كتابه النفيس الحافل بالمعارف : (رماح حزب الرحيم إلى نحور حزب الرجيم) ، يقول شيخنا ومولانا الشيخ الخديم رضي الله عنه معبراً عن جلالة قدره :
من سره نيل أسرار إذا نظرا
فلا يفارق رماح شيخنا عمرا
وقد خاض الشيخ عمر الفوتي في سبيل نشر الدين ومقاومة الجهل حروباً جمة ووقائع تاريخية كثيرة ضد الوثنيين والمستعمرين والمنحرفين، حتى نال شرف الشهادة في جبل (دغمبري) سنة 1864م تقريبا ، رضي الله عنه وأرضاه .
ومن نفيس شعره وحكمه الوعظية البليغة قوله داعياً إلى الزهد والعمل الصالح :
يا أيها الإخوان لا تشتغلوا
بالمال والبنين خيراً اعملوا
هم وغم دائم للمشتغل
بالمال والولد دون الله جل
إذ هذه الدنيا غرور باطل
واعمل لدار دائم يا غافل
إذ كل شيء كائن لشيء زائل
فهو غرور فاعتبر يا غافل
الثاني: الحاج بن المقداد (محمد بن المقداد) :
ولد عام 1876م في مدينة سانت لويس (ندار) ، وتلقى مبادئ العلوم وحفظ القرآن الكريم على يد والده الكريم . رحل في سن مبكرة إلى الديار الموريتانية وتضلع هناك على يد كبار شيوخ المحاضر في العلوم الشرعية ، واللغوية ، وفنون القريض حتى تبحر في أدق القضايا العلمية . ويُعد ابن المقداد من أركان الرعيل الأول الذين أثروا المكتبة السنغالية بتراث أدبي فاخر ومصنفات جمة ...
ومن بديع شعره وهجائه المضمّر في وصف رجل شحيح قوله :
إذا كنت ترجو من فلان نواله
رجوت نوالاً ما رجاه نبيل
فليت به الطيار أصبح طائرا
ولت به في الأرض ضل مبيل
وليت به غواص أصبح غائصا
إلى قعر بحر ما إليه سبيل
الثالث: الإمام المجدد الشيخ أحمد بامبا (المشهور بـ : خديم الرسول ) :
ولد الشيخ الخديم رضي الله عنه وأفاض علينا من بركاته سنة 1853م في بلدة امباكي باول التي أسسها جده الكبير مام مهرم .
نشأ وترعرع في حجر والديه الكريمين نشأة إسلامية طاهرة قائمة على العبادة والورع . والذي أراه بالدليل والاستقراء : أنه رضي الله عنه يُعد من أكثر من صنف وألف كتباً ومنظومات في السلف والخلف ؛ لغزارة مؤلفاته وتنوع معارفها بين الفقه والتصوف والتوحيد والمدائح . وحتى يحمد الله عز وجل ويتحدث بنعمه السابغة عليه ويُوضح كرامته العلمية الفريدة ، يقول رضي الله عنه في مفاتح الجنان :
كرامتي خط يدي
في خدمة المؤيد
وكان لي بالأفيد
الله مولي الكرم
ثالثا : خصائص ومميزات الأدب العربي السنغالي :
يتميز الأدب العربي السنغالي بملامح فنية وموضوعية فريدة نابعة من خصوصية البيئة الإفريقية الممتزجة بأنوار الإسلام ، ويمكننا تلخيص هذه الخصائص باختصار وتفصيل كالتالي :
أولاً: غلبة النظم والشعر على النثر المرسل :
تعد هذه الخاصية من أبرز سمات النتاج الأدبي السنغالي ، ويعود ذلك لأمرين جوهريين ؛ أولهما: أن الشعر بموسيقاه وتفعيلاته العروضية أسهل حفظاً في الصدور ، وأيسر استظهاراً واسترجاعاً للمتون العلمية من النثر الطويل . وثانيهما : أن للشعر أوزاناً وقوافي مضبوطة تمنع دخول التحريف والتصحيف على العلوم والقصائد وتصونها على مر الأجيال .
ثانيا : ندرة الغزل والنسيب الحسي :
يعد غزل المديح والنسيب الحسي أمراً نادراً وقليل التداول في البيئة الأدبية السنغالية؛ والسبب في ذلك أن همم شعرائنا الأجلاء وعنايتهم الكبرى قد توجهت بالكامل نحو التبتل الروحي والمدح النبوي والابتهالات بدلاً من التغني بالجمال الفاني . ومع ذلك، فقد حفظ لنا التاريخ الأدبي مساجلات غزلية راقية (بمعناها العفيف والرمزي) ومن أبرزها المساجلة الشهيرة بين الشيخ أحمد بامبا والقاضي مجخت كال. حيث أرسل القاضي مجخت كال رسالة مستفهماً بالوزن والقافية يقول فيها:
لم انهمت بعد شيب عبرة وبمه
أراقها كلمتا سُعدى (بِمَهْ وَبِمَهْ)
إذ كلمتني بتين الكلمتين بلا
هزل ومزح بدا لي أنها ( بَنَمَهْ )
وإن حبل وصالي صار منصرما
أو واهنا خلقا تجديده( تَنَمَهْ )
مالي أراني إن لامست غانية
عصر الشباب تقبل أو تقل( يَبُمَهْ )
فأجابه الإمام الشيخ أحمد بامبا برصانة أدبية فائقة، ملتزماً بنفس البحر العروضي والقافية الولوفية قائلًا:
يا عبرة صبها قولي : ( بَمَهْ وَبُمَهْ )
هل انكففت بقولي إنني ( مِرُمَهْ)
تكليمنا بهما لم يكُ يمنعنا
بعيده من وصال لا تقل : ( بَنَمَهْ )
تجديد حبل وصالي ليس ذا تعب
إذ أنه اليوم وثقى لا تقل : ( تَنَمَهْ )
كما نجد للحاج بن المقداد إسهامات في هذا الغرض الرمزي العفيف كقوله في ديوان ه:
أيا نزهة النفس التي ضيعت نسكي
على أي حال أنت لا بد لي منك
فإن كنت في بر أتتكِ ركابنا
وإن كنت في بحر أتيناك في الفلك
وكذلك نرى غرضا آخر ، وهو الغزل الصوفي وهو : نوع شعري يعبر فيه الشاعر عن الحب الإلهي والشوق إلى الباري باستخدام الغزل البشري والعشق المادي .
ومنه :قصيدة الشيخ أحمد بامبا : جالبة المزيات ودافعة الرزيات ، في مدح خير البريات ، التي مطلعها :
همت سليمى بصرفي عن مزيات
كي ما تقود زمامي للرزيات
أبدت لتزداد قلبي حسن بهجتها
ووجهتْ لي الهدايا بالمبرات
أمست تطيب نفسي كي أميل لها
وحاولتْ ميل قلبي للهديات ...
ثالثا : صدارة ومحورية المدح النبوي الشريف :
يُعتبر المديح النبوي هو القبلة الأسمى والوجهة الأساسية لجل الشعراء والأدباء في السنغال منذ بزوغ شمس الأدب العربي في هذه الربوع. حيث تبارى الشعراء في مدح شمائل المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن أبهى هذه النماذج قول الشيخ الخديم رضي الله عنه في قصيدته الرائقة المقيدة بحروف قوله تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم :
نبي له شأن عظيم مبين
هو المصطفى المختار وهو المعين
نبوته قبل البرايا قد انجلت
له السبق حين الجد في الطين يُخزن
ويقول الشيخ الخديم في نفس القصيدة مدحاً يعبق بالثناء والتعظيم:
محمد المعروف ماح ومانح
وبالعز معْصوص مصون عن الوصم
مجيب مجاب مرتضى مهلك عدى
مبيح ومبعوث إلى العرب والعجم
وعلى هذا النهج المبارك ، يقول الحاج ماجور سيسه في مدحه للجناب النبوي المعظم ، مظهراً تقدم نبوته على سائر الخلائق :
لو لم يكن سيد الكونين ما ظهرت
له النبوة قبل اللوح والقلم
كانت نبوته إذ لا نبوتهم
وهو الختام فهذا غاية العِظم
رابعا : توظيف البيان الشنقيطي والسنغالي :
تأثر الأدب السنغالي بشكل ملحوظ بالبيان الشنقيطي المجاور ( الجمهورية الإسلامية الموريتانية ) وبأساليب العرب القدامى في جزالة الألفاظ ومتانة التراكيب ، مع إضفاء مسحة إفريقية محلية تظهر في الصور البيانية والتعبيرات الروحية الصافية ، مما جعل هذا الأدب يعبر بحق عن هوية مزدوجة جمعت بين أصالة اللسان العربي وعمق الانتماء الإفريقي .
الخاتمة :
وفي نهاية المطاف ، نخلص إلى يقين راسخ بأن الأدب العربي في السنغال لم يكن مجرد صدى باهت أو محاكاة سطحية لآداب الشرق، بل هو أدب أصيل، متكامل، ومستقل، نبع من قرائح علمية طاهرة تشرّبت علوم الشريعة والتصوف السني . لقد نجح رواد هذا الأدب وجهابذته ، وعلى رأسهم شيخ التربية والجهاد الشيخ أحمد بامبا والحاج بن المقداد رضي الله عنهما ، في جعل لغة الضاد أداة متينة لتدوين الأمجاد وتوثيق التاريخ الروحي والجهاد العلمي ضد الاستعمار الجائر وطمس الهوية . لتظل هذه المصنفات والمنظومات الفصيحة ثروة معرفية وتراثية كبرى ، تنهل منها الأجيال المتعاقبة فكراً وأدباً وسلوكا .
فهمني العلم وزدني علما
وعملا وأدبا وفهما
سبحن ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
