مقدمة السيرة ومولده المبارك :
هو العارف بالله والقائد الحكيم الشيخ محمد المصطفى البكي، الابن الأكبر والخليفة الأول لمؤسس الطريقة المريدية الشيخ أحمدو بامبا الخديم رضي الله عنهما .
ولد الشيخ محمد المصطفى في بلدة دار السلام ليلة الجمعة، الحادي عشر من شهر محرم (يوم عاشوراء) عام 1306 للهجرة (الموافق 18 سبتمبر 1888م) . وتذكر الروايات التاريخية للطريقة المريدية أنه عند ولادته رأى والده الشيخ الخديم -الذي كان آنذاك مستغرقاً في خلوته لتأسيس مدينة طوبى- نوراً ساطعاً يخرج من الرسول صلى الله عليه وسلم متجهاً نحو أرض طوبى، فأرسل من يبشر عائلته ويسمي المولود الجديد باسم "محمد المصطفى" تيمناً بالنبي الأكرم .
النشأة العلمية والتربية الروحية (الكمال)
تلقى الشيخ محمد المصطفى تعليمه الأول في محضرة والده الشيخ الخديم، حيث تعلم الحروف الأولى من القرآن الكريم، ثم سُلم مع شقيقه الشيخ محمد الفاضل إلى المعلم القدير الشيخ عبد الرحمن لوح . وتحت إشرافه، حفظ القرآن الكريم وأتقنه غيباً وكتبه مرات عدة وعمره لم يتجاوز خمسة عشر عاماً .
بعد إتمام القرآن، انتقل لدراسة الفنون الإسلامية والعلوم الشرعية واللغوية على يد عمه الشيخ إبراهيم فاطمة امباكي حتى تبحر فيها . ومن الشواهد على نبوغه المبكر ودقته، أنه كتب بيده مصحفاً كاملاً غاية في الروعة والضبط، وأرسله إلى والده الشيخ الخديم في منفاه بدولة الغابون . ومن شدة صحة رسم هذا المصحف وكتابته لُقب هذا المصحف بـ "الكمال"، حتى صار هذا اللقب علماً مشهوراً يُطلق على من يُسمّى باسمه.
لم يقتصر تعليمه على المتون والكتب، بل سلك طريق التربية الروحية الشاقة تحت ظلال والده لربع قرن من الزمان (1902م - 1927م) . فتربى كما يتربى عامة المريدين على مجاهدة النفس، والعمل الشاق في الحقول والزراعة، ورفع الهمم نحو الله تبارك وتعالى .
تأسيس القرى وتوسيع الحقول الزراعية
في عام 1330 هـ (1911م - 1912م)، أمره والده الشيخ الخديم بالتوجه إلى مدينة طوبى والإقامة فيها لإعمارها . وهناك بدأ الشيخ المصطفى بجهود جبارة في حفر وتوسيع الآبار لتوفير المياه .
كما أسس مجموعة من القرى التعليمية والزراعية الكبرى، وكانت أولاها بلدة "تندود" التي سماها الشيخ الخديم "حسن المآب"، حيث أنشأ فيها عشرة مراكز متخصصة في التربية، والتعليم، والخدمة . وتلاها تأسيس قرى أخرى مثل: الطائف، وطوبى كحيل، ودار المنن، ودار النعيم، وخبان، والدار البيضاء . وكان يشرف بنفسه على الحصاد الزراعي ويحمل المحاصيل والقمح تلو القمح لوالده الشيخ الخديم في مقر إقامته ببلدة "جربل" .
إثبات الطاعة ومبايعته بالخلافة
في أواخر سنة 1345 هـ (يونيو 1927م)، أراد الشيخ الخديم إظهار رُشد وأهلية ابنه الأكبر أمام كبار المريدين . فأرسل إليه رسالة يطلب فيها إحضار مبلغ ألف درهم، وهو عدد يطابق "ألف شهر" المذكور في سورة القدر . فور وصول الرسالة، توجه الشيخ المصطفى إلى خزانة محصوله الزراعي في بلدة "ديسو" وباع كل ما يملك ليوفر المبلغ كاملاً مع زيادة وأرسله فوراً مع الجواب . وفي ذلك اليوم تمت مبايعته عملياً واكتملت شروط خلافته الشرعية بإشارة وتدبير من والده .
مواجهة "المهمة الصعبة": وفاة الشيخ الخديم وتأمين جثمانه
في العشرين من شهر محرم عام 1346 هـ (1927م)، انتقل الشيخ أحمدو بمبا الخديم إلى جوار ربه في بلدة "جربل" . كان الشيخ محمد المصطفى آنذاك في سفر ببلدة "انجاغين"، فعاد مسرعاً فور سماعه النبأ، ليجد نفسه أمام مسؤولية تاريخية شديدة الحرج والخطورة .
كانت الإدارة الاستعمارية الفرنسية تراقب الوضع بدقة محاولة استغلال الوفاة لتشتيت شمل الطريقة المريدية . وتحت هذه الظروف المعقدة، أدار الشيخ الأزمة بحكمة وهدوء تام؛ فتعاون مع شقيقه الشيخ محمد البشير وعدد من الأمناء المخلصين ، وقاموا بتجهيز الجثمان الشريف وغسله وتكفينه ليلاً، ونقله سراً في سيارة مغطاة إلى مدينة طوبى، حيث دُفن قبل انصداع الفجر تحت الشجرة التي اختارها الشيخ الخديم بنفسه عند بداية تأسيس المدينة، وتم كل ذلك دون انتظار إذن أو تدخل من السلطات الفرنسية .
بعد الفراغ من الدفن، انقاد كبار أعمامه وأركان "مجلس الحل والعقد" لبيعته وتأكيد خلافته الرسمية لإدارة شؤون الطريقة تحت إشراف الشيخ عبد الرحمن لوح كونه الأكبر سناً والمتقدم في المبايعة .
الإنجازات العمرانية والتاريخية الكبرى
1. تأسيس وإقامة الجامع الأكبر في طوبى
كان بناء المسجد الجامع هو الوصية الكبرى والهدف الأسمى للشيخ الخديم . واجه الشيخ المصطفى في سبيل ذلك عراقيل روتينية ومادية تعجيزية وضعتها السلطات الفرنسية لإجهاض المشروع . وطالبوه بضمانات مالية باهظة لتأمين أجور المهندسين وتأميم أرض المسجد . وحين عجزوا عن وقفه، ادعوا "ضياع نسخة التصميم المعماري الأصلي"، فاستعمل ذكاءه النادر وعلاقاته حتى استخرج نسخة مصورة من الأصل، وأفحم أفواه المماطلين ، ليبدأ البناء الفعلي يوم الجمعة 25 شوال 1350 هـ (مارس 1932م) على يد المهندس المعماري "ليت جاي" .
2. مد السكة الحديدية إلى طوبى
اشترطت الدولة المستعمرة لترخيص بناء المسجد أن يقوم الشيخ المصطفى بمد سكة حديدية على نفقته الخاصة بطول 50 كيلومتراً يربط بين "جربل" و"طوبى" لنقل أدوات البناء الثقيلة، واشترطت أن ينتهي العمل في مدة لا تزيد عن سنة كاملة . عبأ الشيخ المصطفى همم المريدين ووزعهم على جبهات العمل الإنساني الشاق، وبفضل الإرادة والخدمة المتواصلة، فاجأ المستعمر بإتمام الخط الحديدي بالكامل في نصف المدة المشروطة فقط (خلال 6 أشهر) .
3. تأميم مدينة طوبى وتوسيعها
اشترط الفرنسيون تأميم الأرض التي يقع عليها المسجد، فبادر الشيخ المصطفى بتأميم أرض طوبى بمساحة ميلين من كل اتجاه (شرقاً، وغرباً، وشمالاً، وجنوباً) ابتداءً من المسجد الجامع . ورغم أن هذا الإجراء استنزف كل الأموال التي رصدها للبناء في بادئ الأمر، إلا أنه صبر وأعاد تنظيم المزارع وجمع التبرعات الذاتية الطاهرة من عرق جبين المريدين دون قبول أي فلس أو مساعدة من حكومات أو منظمات أجنبية .
4. إحياء ذكرى قدوم الشيخ وتأسيس "المغال السنوي"
فكر الشيخ محمد المصطفى في تخصيص يوم جامع يجتمع فيه الشيوخ والمريدون سنوياً لتقديم مساهماتهم لبناء المسجد وتجديد العهد الروحي . واختار يوم 20 من شهر محرم (يوم ذكرى انتقال الشيخ الخديم وجلوسه بجوار ربه) . وأمر الشاعر المخضرم الشيخ موسى كَه بالطواف على ربوع السنغال وإبلاغ الشيوخ بهذا القرار . وفي أول اجتماع عام سنة 1348 هـ (1929م)، ألقى خطبته الشهيرة وأمر بقراءة 28 مصحفاً (وهو عدد يوافق بحساب الحروف كلمة طوبى) وأعداداً من قصائد المديح النبوي والخديمي، مما أسس رسمياً لأكبر تجمع روحي للطريقة .
علمه وأدبه وفصاحته
كان الشيخ محمد المصطفى بارعاً في العلوم الشرعية واللغوية، خطيباً مفوهاً، وشاعراً مقتدراً . تميز أسلوبه الأدبي بالاقتباس من آيات القرآن الكريم والحديث النبوي بالوضوح والإيجاز المفيد. وتناولت قصائده أغراضاً متعددة منها التضرع إلى الله، والابتهال، والاستسقاء، ورثاء العلماء كعمه الشيخ محمد جارة الله .
امتازت خطبه بالتأكيد على أن العبادة تشمل كل جوانب الحياة؛ فكان يقول: "الصلاة عبادة، والعمل والكسب الحلال لكف النفس عن السؤال عبادة، والإنفاق وإصلاح ذات البين عبادة" . كما عُرف بشجاعته وصراحته المطلقة في قول الحق دون مواربة والمغامرة .
وفاته ورثاؤه
بعد حياة حافلة بالبناء، والتضحيات، والفداء، والصبر الجميل على كيد المستعمرين ، وبعد أن أدى الأمانة ووحد الصف المريدي تحت راية واحدة ، انتقل الشيخ محمد المصطفى البكي إلى رضوان ربه في الثالث من شهر شعبان سنة 1364 للهجرة (الموافق 14 يوليو 1945م) .
وقد بكت عليه السموات والأرض، ورثاه الشيوخ والشعراء بقصائد بليغة تعبر عن حجم الخسارة، ومن أبرزهم شقيقته السيدة فاطمة جَاه البكية التي مدحت أعماله الجبارة في تأميم طوبى وشق السكك الحديدية وإقامة بنيان الجامع الأكبر شامخاً في الأفق . وتولى من بعده عبء الخلافة شقيقه الشيخ محمد الفاضل البكي ليستمر القوس في الصعود .
والله ولي التوفيق .
الكاتب :
المتفاني في حب شيخه : الشيخ الخديم البكي السلامي .
شكرا جزيلا
ردحذف