الجمعة، 14 أغسطس 2026

هل يمكن الوصول الى السعادة بالاعتماد على المادة فحسب ؟









بسم الله الرحمن الرحيم


إن الإنسان منذ أن وطئت أقدامه هذه البسيطة ، مازال ولن يزال يبحث عن غاية كبرى وهدف أسمى ، تمنحان حياته معنى وقيمة ، ولا بد أرفع هذه الغايات التي أجمعت عليها الأمم بأسرها هي : طلب "السعادة " . غير أن الفلاسفة والمفكرين – قديما وحديثا - قد تباينت مسالكهم واختلفت مشاربهم في تحديد المعنى الحقيقي لهذه السعادة ، وفي معرفة السبيل الأسرع الموصل إليها . فبينما يرى البعض أن السعادة تكمن في متطلبات الجسد والمادة ، يرى آخرون عكسها تماما ، أي أن حقيقتها لا تنفص عن صفاء الروح والتعالي الأخلاقي .

ومن هذا المنطلق ، يضعنا السؤال القيد الدرس والتحليل أمام مفارقة فلسفية حادة تنشأ من التداخل بين ما هو مادي ملموس وما هو روحي معنوي في الطبيعة الإنسانية ، مما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى كفاية الجانب المادي في تحقيق الرضا الإنساني الكامل.

ويمكننا طرح الإشكاليات التالية : هل السعادة مجرد تلبية للحاجات أو الرغبات المادية وتوفير للرفاهية الحسية ؟ أم أن حقيقتها تكمن في طمأنينة الروح والتحرر من أسر المادة؟


انطلاقا من النقطة الأولى ، فتذهب طائفة هائلة من الفلاسفة والمفكرين ، لا سيما أصحاب النزعات المادية ، والواقعية ، والنفعية ، إلى التأكيد على أن السعادة الإنسانية ليست مجرد أوهام معلقة في السماء أو مجرد تراكيب ذهنية مجردة ، بل هي واقع ملموس يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تلبية الاحتياجات المادية وتوفير الرفاهية والراحة الجسدية للإنسان . وينطلق أصحاب هذا الطرح من رؤية أنثروبولوجي واقعية تعتبر الإنسان في مقامه الأول كائنا طبيعيا ، بيولوجيا ، له متطلبات مادية قطعية لا يمكن إغفالها أو إهمالها . فلا يمكن في نظرهم الحديث عن راحة نفسية ، أو سكينة روحية ، أو طمأنينة فكرية ، في ظل وجود مجاعات طاحنة بالإضافة إلى وجود مئات يعانون من الفقر المدقع ، أو أمراض فتاكة تنهش أجسادهم ؛ إذ كيف لفقير لا يجد قوت يومه، أو لمريض يتلوى من شدة الألم ، - حتى ولو كان صاحب مليارات - أن يشعر طعم السعادة ؟ .

وفي هذا السياق التاريخي والفلسفي ، نجد الفيلسوف اليوناني أبيقور يضع اللبنات الأولى لهذا التوجه ؛ حيث يرى أن السعادة تتمثل وتنعكس في " اللذة والتحرر الكامل من الألم الجسدي والمعاناة النفسية . بيد أن أبيقور لا يقصد اللذة العشوائية ، بل إشباع الرغبات الطبيعية والضرورية التي تحفظ حياة الإنسان وصحته ، معتبرا أن الجسد هو بوابة النفس ، إذا اشتكى منه عضو اشتكت بقية الجوارح ، وأن استقراره وسلامته المادية هي المحرك الأساسي لكل سلام واطمئنان .

وفي العصر الحديث ومع الثورة الصناعية والتطور العلمي والتكنولوجي ، تطور هذا الفكر ليأخذ طابعا اقتصاديا ونفعيا مع الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام الذي صاغ " مبدأ المنفعة " ، مؤكدا أن الفعل البشري يكون صالحا وسعيدا بقدر ما يحقق من منفعة مادية ولذة واقعية لأكبر عدد من الناس . وتبعه في ذلك جون ستيوارت ميل الذي ربط السعادة بالرفاهية الاجتماعية والاقتصادية .

ومن الواقع المعاصر ، يمكننا الاستدلال على قوة هذا الطرح من خلال ملاحظة : كيف تسعى الدول الحديثة المزدهرة ذات القوى الاقتصادية إلى توفير البنية التحتية ، والمستشفيات ، وتأمين الوظائف ، والرفاهية المادية لمواطنيها ؛ لأن غياب هذه المقومات المادية يحول حياة المجتمعات إلى جحيم من القلق والفوضى والاضطراب . وتأسيسا على كل هذه الحجج ، تظهر المادة كشرط أساسي وقاعدة صلبة لا بد منها لبناء صرح السعادة وطمأنينة العيش .

وعلى الرغم من القيمة الحيوية والوجاهة الظاهرة لهذا الطرح المادي ، والأهمية القصوى لتأمين الحاجات الاقتصادية والبيولوجية للإنسان لضمان بقائه ، إلا أن قصر السعادة على الجانب المادي الاستهلاكي الفاني يظل نظرة قاصرة واختزالا مجحفا للطبيعة الإنسانية المركبة . فالإنسان ليس آلة صماء ، أو كائنا حركته الغرائز المادية والشهوات الحسية فقط ، بل هو ذات واعية ، وروح تسمو وتتطلع إلى ما هو أرفع من مجرد الاستهلاك .

والواقع التاريخي واليومي يثبت لنا بالدليل القاطع بطلان الاكتفاء بالمادة ؛ فكم من فئات ومجتمعات تعيش في قمة الترف المادي والرفاهية الاقتصادية ، ولكنها تعاني من أعلى نسب الانتحار ، والاضطرابات النفسية ، وضياع الهوية ، مما يؤكد أن وفرة المادة لا تعني بالضرورة توفر السعادة ، ويحتم علينا بالضرورة الفلسفية التفتيش عن جوهر آخر للسعادة يتجاوز حدود المحسوسات ، وينفذ إلى أعماق الروح والوجدان .

وبالمقابل، وبناء على التهافت الواضح في الطرح المادي الصرف ، يذهب فلاسفة النزعة الروحية ، والعقلانية ، والأخلاقية ، إلى التأكيد على أن السعادة الحقيقية والدائمة هي نتاج خالص لسلامة الباطن ، وطهارة النفس ، وصفاء الروح ، والتحلي بالفضائل ، والتحرر من أسر الشهوات المادية التي لا تنتهي وراء سراب زائل . فالإنسان في نظرهم لا يسعد بما يملك في جيبه أو حوزته من متاع ، بل يسعد بما يكون عليه في عقله ونفسه من توازن واعتدال ؛ فالمادة خارجية وعارضة ، بينما السكينة منبعها داخلي أصيل لا يتأثر بتقلبات الظروف المعيشية .

وهكذا ، نجد سقراط في الفلسفة اليونانية القديمة يعتبر  بين الفكر في عصره ، معلنا أن السعادة تضع حصريا في " الفضيلة والمعرفة " ، وأن الذي يملك الأموال والقصور والإنسان لكنه يريد إلى الأخلاق والفضيلة يعيش في شقاء باطن  ؛ لأنه نفسه ممزق بالشرور ومستعبدة للأهواء . وكذلك المدرسة الرواقية التي اعتبرت أن السعادة هي " التحرر من الانفعالات " والرضا التام بقضاء الكون وقدره وتدبيره .

في الفلسفة العقلية الحديثة ، نجد الفيلسوف الفرنسي ديكارت يؤكد أن الطمأنينة الحقيقية تنفجر من رضا النفس عن النفس براحة النفس التي ينالها الإنسان يستخدم عقله سليما للتحكم في رغبات جسده وأهوائها غير المشروعة ، حيث يصبح الفرد سيدا لنفسه ، لا عبدا لشهواته .

وإذا أردنا إسقاط هذا الطرح الروحي على الواقع التاريخي لغرب إفريقيا والسنغال تحديدا ، نجد نموذجا حيا يتجلى في سيرة المجددين العظام كالشَّيخ الخديم أحمدو بامبا { رضي الله عنه } ؛ فبالرغم من المحاصرة والاستعمار والنفي والتغريب والحرمان المادي الطويل لزهاء ثلاث وثلاثين سنة ، إلا أنه عاش في قمة الطمأنينة والسعادة الروحية ، وخلد ذلك التحرر من كبل الدنيا في قصائده ومؤلفاته ، مما يثبت عمليا أن الأمن الروحي ، والسكينة الإيمانية ، والتعلق بالخالق والوسيلة ، هي الحصن والسياج والملجأ الحقيقي الذي يمنح الإنسان سعادة أبدية لا تنزعها قوة مستعمر غاشم ولا فقر معيشي مرير .



وفي نهاية المطاف ، يمكننا القول إن إشكالية السعادة وعلاقتها بالمادة والروح تظل واحدة من أعقد القضايا التي تشغل الفكر الإنساني . فقد كشف لنا التحليل عن تجاذب حاد بين أطروحتين : الأولى نزعت نزعة واقعية مادية ، معتبرة أن الرفاهية الاقتصادية وتلبية الاحتياجات الجسدية والبيولوجية هي القاعدة الصلبة والشرط الأول والأساسي الموصل إلى طمأنينة العيش وراحة البال ؛ بينما نزعت الأطروحة الثانية نزعة مثالية روحية ، مؤكدة على أن السعادة الحقيقية والدائمة لا تنبع من المؤثرات الخارجية الفانية ، بل تولد من عمق الذات الإنسانية عبر صفاء الرح ، والتحلي بالفضائل الأخلاقية ، والتحرر التام من أسر الشهوات المادية وسرابها الزائل .

وفي تقديرنا الشخصي ، وبناء على هذه المقاربة التحليلية ، نرى أن السعادة الإنسانية الحقيقية لا يمكن اختزالها في جانب واحد على حساب الآخر ؛ فالإنسان بطبيعته كائن مركب يجمع بين طين الأرض ونفخة السماء ، أي بين الجسد والروح . وبالتالي ، فإن البحث عن السعادة بالاعتماد على المادة فحسب هو ركض وراء وهم منقوص ، كما أن إغفال متطلبات الحياة المادية بدعوى الروحانية المحضة قد يؤدي بالفرد إلى الضنك والتبعية المعيشية .

إن السعادة المثلى تتجلى بوضوح في "الوسطية والاعتدال" ، والجمع المتوازن والمحكم بين "حرثي الدارين" ؛ امتثالا وتطبيقا لقوله جل وعلا في سورة القصص : {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ...} . وهو المنهج العملي القويم الذي جسده العارفون بالله في تاريخنا الإسلامي ، والذين أثبتوا للعالم أن التحرر الحقيقي والسيادة النفسية ينبعان من جعل الدنيا في اليد للاستعانة بها على العمل وعمارة الأرض ، لا في القلب للتعبد لها والاستسلام لشهواتها . وأخيرا ، تظل السعادة رحلة باطنية وظاهرية مستمرة ، غايتها صون كرامة الإنسان ماديا وروحيا ، وتحقيق توازنه وسط أمواج هذا الوجود المتلاطم .

المتفاني في حب شيخه :
 الشيخ الخديم البكي السلامي .
الأحد / 2026م / مايو / 24 / 1447ه/ ذو الحجة / 7

الخميس، 13 أغسطس 2026

هل الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد ؟

 




بسم الله الرحمن الرحيم

 

منذ أن وطئت قدما الإنسان  هذه البسيطة ، ما زال ولن يزال  يبحث ويفحص في كنه الأمور ، وسواء كان  هذا  الفحص والتفتيش في شؤون  الدين أو في الأمور  الدنيوية ؛ فقد أثارت هذه المسألة  جدلا واسعا  بين العلماء  والفلاسفة ؛ حيث تخالفت مسالكهم وتباينت مشاربهم حول السؤال : هل الفلسفة بدورها أداة عقلانية تؤدي الشخص إلى الإلحاد ؟ فبينما يرى بعضهم أن التفلسف يعزز الإيمان ، يرى آخرون أنه يضعفه ، ولكلا الطرفين حجج وبراهين قاطعة ، سنذكر أهمها وأوفقها للمنطق . 

والموضوع الذي بين أيدينا من أهم الموضوعات الفكرية وأشدها حساسية في إطار  المعرفة الإنسانية ؛ إذ ينصب الاهتمام  فيه  على  استكشاف كنه الفلسفة ، وتفكيك التداخل الشائك بين النظر العقلاني والحقيقة الدينية .  

وللإحاطة بهذا الموضوع علما ، وفهمه فهما عميقا ، سنقوم بطرح الإشكالية التالية : هل الفلسفة تؤدي إلى الإلحاد ورفض الغيب ؟ وما طبيعة العلاقة التي تربط بين الدين والفلسفة ؟ والعقل والنقد في الفكر الإسلامي ؟

تمهيد :

قبل الغوص في تفاصيل هذه الإشكالية ، يتوجب علينا أولا تحرير معنى "الفلسفة" ودلالتها ؛ فكلمة فلسفة (Philosophy) مشتقة في أصلها اليوناني من كلمتي (Philo -حب )و(Sophia - الحكمة) ، أي : "محبة الحكمة" .

والفلسفة في جوهرها الأصيل وحقيقتها ليست مذهبا عقائديا يفرض الإلحاد أو الإيمان بحد ذاته ، بل هي أداة منهجية للتفكير تقوم على التأمل والتحليل ، واستخدام البرهان العقلاني المنطقي للبحث في حقائق الوجود ، والمباشرة في التساؤل عن أصل الكائنات والغايات الكبرى للإنسان .

بناءً على هذا التوضيح المفهومي ، يتضح أن الفلسفة كوسيلة نقدية متجردة هي وعاء محايد ؛ والنتيجة التي يصل إليها الفيلسوف : (سواء كانت إيمانا وثيقا عميقا أو شكا وإلحادا ) تعتمد بالكلية على المقدمات والمنطلقات التي ينطلق منها والغاية التي يسعى إليها.

أولا : الدعاوى المادية وربط الفلسفة بالإلحاد :

انطلاقا من النقطة الأولى ، نرى أن الفلاسفة والمفكرين قد انقسموا إلى قسمين : قسم يرى أن الفلسفة هي الوسيلة المثلى للوصول إلى المعرفة الحقة ، وقسم يرى عكس ذلك . أما الذين يدعون ويزعمون أن الفلسفة توصل إلى الإلحاد ، فهم في الحقيقة نفر وشرذمة قليلة مقارنة بالفلاسفة العظام الذين أكدوا إيصالها إلى الإيمان المبني على البرهان .

ويرجع رأي هذه الفئة إلى زعمهم أن الدين ليس له أي منفعة عملية ، بل هو في نظرهم يقيد حرية الإنسان ؛ مدعين أننا في عصر قد تطورت فيه التكنولوجيا والعلم ، فلم نعد بحاجة إلى أي دين من الأديان . وفي طليعة هؤلاء الماديين ، نجد الفكر الذي يمثله الفيلسوف المادي كارل ماركس وبعض النفعيين ، حيث يرون أن الدين باختصار هو "أداة للسيطرة على العقول". أي أنهم يدعون أن الدين يقيد الإنسان في حياته وكثير من أحواله ، ويمنعه من اتباع الشهوات واللذات والعيش بطبيعية ، وخصوصا الديانات السماوية التي تأمر بالعدل والمساواة وكف النفس عن الهوى . والحق أن هؤلاء قد حصروا تخيلهم في الحياة الدنيوية الفانية ، فاتبعوا الشهوات وفلسفوها حتى صاروا إلى هذا الرأي الخاطئ .

ودعم هذا التوجه النقدي للدين فيلسوف عصر التنوير الفرنسي فولتير الذي قال مأخوذا بواقع الحروب الأوروبية :

"الدين هو ما يجعل الناس يقتلون بعضهم بعضا باسم الحب".

ومراده أن التعصب الديني هو السبب في كل المشاكل والتحديات التي واجهها العالم ، وأنه أوصل المجتمع إلى هذا الوضع من التدهور . وكأن هذا الرجل كان يقصد بحكم بيئته الحروب الصليبية الطاحنة والنزاعات الطائفية في أوروبا ، حيث كان كل طرف يقاتل باسم حب المسيح عليه السلام مخلوطا بمصالحه السياسية الصرفة ، أو الفتوحات التي قام بها المسلمون في ريعان دين الإسلام لنشر الإسلام وإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة ربهم العزيز المقتدر ، وهو أمر بعيد كل البعد عن جوهر الرسالات السماوية النقية التي جاءت رحمة للعالمين .

ثانيا : رؤية الجمهور والعلاقة التكاملية بين العقل والدين :

تأسيسا على ما ذكرناه ، علمنا أن هناك جماعة من الماديين ينفون الدين ، لكن في المقابل ، هناك جماعة أخرى من جهابذة الفلاسفة يردون هذا الرأي الخرف إلى أصحابه . وهذه الفرقة الروحية والعقلانية هي الأكثرية الساحقة في تاريخ الفكر ؛ وفي مقدمتهم الفيلسوف اليوناني الشهير أفلاطون الذي صرح بعبارة حكيمة :

"من يهدم الدين يهدم أساس كل جماعة بشرية".

وهذه مقالة حسنة عادلة ؛ لأن أفلاطون لم يكن في زمن الإسلام ، بل قبله بأعوام وسنين طويلة ، ومع ذلك أدرك بعقله أن الدين هو الرابط الأساسي للمجتمع الإنساني ، فمن أقامه فقد أقام مجتمعا متماسكا وجهه نحو الازدهار ، ومن هدمه فقد جذب أمته إلى الركود والتخلف . وهذا قول صحيح لا بأس به ؛ لأن الدين الحق يربي الناس ، ويضيف قوة إلى قوتهم ، ويغرس في قلوبهم التحابب ، والمودة ، والاتحاد .

ثالثا : العقل والنقل في الفكر الإسلامي (بين الغزالي وابن رشد) : 

لم تكن هذه الإشكالية محصورة في الفكر الغربي ؛ بل شهد التاريخ الإسلامي سجالا عريضا يعكس عمق التفكير العقلاني وترسيخ الإيمان بالبرهان المنطقي . فقد حذر الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه "تهافت الفلاسفة" من الانغماس الكلي في مناهج الفلاسفة المتقدمين إذا أدى ذلك إلى تقديس العقل المجرد ومصادمة النص الغيبي الثابت .

وفي المقابل، جاء القاضي أبو الوليد بن رشد بكتابه "تهافت التهافت" وكتابه الأصيل "فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال" ليرسخ القاعدة الذهبية الكبرى:

"الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له" .

وأوضح ابن رشد أن النظر الفلسفي والبحث العقلي في الكائنات إنما هو مأمور به شرعا في آيات كثيرة تدعو للتدبر والتفكر  . وتبين من خلال هذه السجالات الفكرية العميقة أن الخلاف في الحضارة الإسلامية لم يكن حول رفض العقل ، بل حول الحدود التي يقف عندها البرهان العقلاني أمام حكمة الخالق وحقائق الغيب التي تعجز العقول عن إدراك كنهها بمفردها .

رابعا : تحولات الفلسفة الحديثة ونقد المادية :

ومع الانتقال إلى العصر الحديث ، ظهرت فلسفات مادية حاولت فصل الأخلاق والمعرفة عن المصدر الإلهي ، كفلسفة فريدريك نيتشه الذي دعا إلى تحطيم القيم التقليدية ، مما أدى بالبشرية في النهاية إلى الوقوع في فخ العدمية واغتراب الروح وتفكك المعنى الإنساني .

غير أن فلاسفة آخرين في الغرب أعادوا التوازن ؛ إذ أكد الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت في تحليلاته النقدية : أن العقل المجرد وإن كان يستعصي عليه إحاطة الغيب بالملاحظة المعملية ، إلا أن العقل العملي والأخلاق الإنسانية يستلزمان حتما وجود الخالق وخلود الروح ؛ لأن الأخلاق بدون إيمان تفقد معيارها المرجعي الثابت وتتحول إلى مجرد أهواء نفعية عابرة .

أما عن العلاقة التي تربط بينهما فلا نطيل في ذلك ؛ إذ يرى جمهور الفلاسفة العقلاء أن العلاقة بين الفلسفة والدين ليست علاقة صراع أو تضاد ، بل هي علاقة اتصال وتكامل ، فالدين يدعو إلى إعمال العقل والتدبر ، والفلسفة الحقة تعتمد على العقل لتصل في النهاية إلى الاعتراف بحكمة الخالق سبحانه وتعالى ، وما حدث من احتكاك شديد تاريخيا لم يكن إلا بسبب الفهم القاصر لأحدهما  .

خاتمة واستنتاج :

وفي نهاية المطاف إجمالا لما سلف تحليله ومناقشته ، يمكننا الخروج بخلاصة مفادها : أن إشكالية العلاقة بين الدين والفلسفة قد أفرزت تجاذبا فكريا حادا عبر التاريخ . فقد رأينا كيف حاولت شرذمة من الفلاسفة الماديين ربط الفلسفة بالإلحاد ، بدعوى أن الدين بذاته يمنع حرية العقل ويعطل قدرات الإنسان ؛ بينما أثبتت الأكثرية الساحقة من جهابذة الفكر - قديما وحديثا - أن الفلسفة الحقة هي الركيزة التي تؤكد ضرورة الدين لحماية أخلاق المجتمعات وصون تماسكها من الانهيار والمرق والحبوط .

وأيضا الفلسفة الصادقة لا تقود إلى الجحود والإلحاد ، بل هي طريق لتعميق الإيمان وتأصيل المعرفة . والمجتمع الصالح هو الذي يجمع بين حكمة العقل ونور الشريعة ، فيبني حضارة متينة تقوم على العدل ، والأخلاق ، والازدهار ، رافعة شعار التكامل بين فهم الدنيا والفوز بالآخرة .

المتفاني في حب شيخه :

الشيخ الخديم البكي السلامي .

1447ه/ ذو الحجة / 7

2026م / مايو / 24

الإثنين .     


الأربعاء، 12 أغسطس 2026

القول الصحيح المختار ، في سيرة الشيخ الخديم وخلفائه الأخيار . ( المقدمة )

 








بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل . الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وعلمه مالم يكن يعلم ، وفضله على كثير من عباده تفضيلا ، وكان فضله عليه عظيما . لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد . والصلاة والسلام على نبيه الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وخلف لنا بعده أولياء عظماء نجباء ذوي الخوارق والكرامات ، وبشرنا بقوم مجددين للدين الإسلامي في مطلع كل قرن وريعانه . سيدنا محمد سيد السادات ، الذي لم يبد مثاله فيما مضى قبله ولا يأت مثله بعده . وعلى آله وأصحابه الذين كانوا إلى الأخرى ذوي انطلاق ، إذ واجهوا الضرة بالطلاق . ومن تبعهم بإحسان وسلك نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم فيه تبلى السرائر . ويثاب من آمن وعمل الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وإن هذا لهو الفوز العظيم .


( أما بعد : )

فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه : تِلْكَ الرُّسُل ُفَضَّلْنَا بَعْضَهُم ْ عَلَىٰ بَعْضِ .... البقرة : ﴿251﴾. وقال أيضا جل وعلا شأنه : يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله َوَابْتَغُواْ إِلَيْه ِالْوَسِيلَة َ. المائدة ﴿38﴾ . إضافة إلى ذلك يقول تعالى : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء َالله ِلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم ْوَلَا هُمْ يَحْزَنُون َ، الذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون َ، لَهُم ُالْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ . ﴿65 /63 ﴾ . وفي سورة الزخرف : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُم ْفَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ... الزخرف : ﴿ 31 ﴾ .
كما أتى في حديث قدسي يقول سبحانه وتعالى : مَن ْعَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنتُه ُبِالْحَرْبِ(1)  . وروى البزار عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : من أولياء الله ؟ قال : الذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِر َاللهُ عَزَّ وَجَلَّ(2) . ويؤيد هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ " ؟! قيل : بلى يا رسول الله ! قال : " الذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله ُعَزَّ وَجَلَّ(3) " .
وروى ابن جرير بسند عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : "إِنَّ مِن عِبَاد ِاللهِ عِبَاداً يَغْبِطُهُمُ الأَنبِيَاء ُوَالشُّهَدَاءُ " قيل : من هم يا رسول الله ؟! لعلنا نحبهم . قال : " هُمْ قَوْم ٌتَحَابُوا فِي الله ِمِن ْغَيْرِ أَمْوَالٍ وَلاَ أَنسَاب ٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُور ٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ ، وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِن َالنَّاسُ . ثم قرأ : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم ْوَلاَهُمْ يَحْزَنُونَ (4) " .
من أنعم الله تعالى التي لا حصــر لها ولا تعد ولا تحصى علينا نحن أهل القرنين الرابع والخامس عشر الهجريين – لا سيما نحن المسلمين عموما والسنغاليين خصوصا – ظهور رجال كرماء من كبار الأولياء والصالحين الأصفياء . الذين جاءوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ولينقذوهم مما هم فيه من الضنك والضلال والضياع .
وتاريخنا الإسلامي مفتخر بأولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم خلق كثير وجمع غفير منذ القرون الثلاثة الأولى . ومن ضمن هؤلاء : شيخنا ومولانا أحمد بامبا امباكي – قاد له الله ما اختار له – الذي قال شاكرا لربه على نعمه :
زِمَــــــــامُ وَرَى عَصْــــرِي لَدَى اللــــــهِ فِي يَــــــدِي
 وَمَــــــا  رُمْتُــــــهُ  مِـــــن  مَالِكِي  قَــــادَ   بِالأَنِي(5)
ومن المعلوم حق المعرفة : أن قصة شيخنا أحمد بامبا امباكي خادم الرسول – من البداية إلى النهاية – وخلفائه وأولاده وأسرته وكبار المريدين مليئة بالدروس والعبر . ومن باب قوله تعالى : " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الاَلْبَابِ " يوسف : ﴿111﴾ . وقوله تعالى : فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ "الأعراف :﴿176﴾ ؛ لأنه – قدس الله سره – قد حاز حياة معجزة لا ترى لغيره . كما قال :
 حُـــــــــــزْتُ حَيَــــــــــاةً لاَ تُــــــــرَى لِغَيْـــــــرِي 
 مُعْجِـــــــــــزَةً  بَانَـــــــــــتْ   لِأُذْنِ  خَيْــــــــــرِ(6)
كان رضي الله عنه عارفا بالله ومثلا يضرب في التقوى والورع ورمزا للصبر والثبات عند المحن والشدائد وسباقا إلى الخيرات . سمى نفسه " عبد الله وخديم رسوله " اثباتا لكونه بعيدا من جميع أنواع الشرك وأجناسه . ومهما اختلفت الظروف والأحوال فهو يبقى عبدا متواضعا يعبد ربه ويخدم سيده ووسيلته إليه خير الخلق محمد عليه السلام . فضلا عن كونه عابدا قانتا كأنه راهب في محرابه وزاهدا فيما يجري من أمور الدنيا ، لا يعنيه شيء من متاعها وزينتها ، بل كان يمتثل ويسير على هدي قوله تعالى : " وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكُّلُونَ " الشورى :﴿34﴾ .ويعتقد في جميع الأمور أن الله رب حكيم وأنه يفعل ما يشاء . وهذا مما جعله يعيش حياة هادئة .
كما كان يتحلى بالحلم والتحلم في كثير من الأحوال . لكن على الرغم من تواضعه وحلمه كان في الشجاعة والوقار على جانب عظيم . ولكنهما مهدتا وقُرِنتا بالحلم والعفو ، لا بالقسر والتجبر والتكبر . ولكن ما معنى الشجاعة والبطولة الحقيقية عند الشيخ ؟! يقول { رضي الله عنه } :
 لَيْــــــسَ الشُّجَـــــاع الــــذِي يَحْمِـــــي فَوَارِسَـــــهُ
 يَـــــوْم الطِّعَـــــانِ إِذَا مـــــاَ الْحَـــــرْبُ تَشْتَغِـــــلُ 
لَكِــــنَّ مَــــن غَـــــضَّ طَرْفـــا أَوْثَنَــــا قَدَمـــــاً
  عَـــــنِ الْمَعَاصِــــي فَـــــذَاك الْفَــــارِسُ الْبَطَــــلُ(7) 
مع ما كان يتعهده من العبادة لم يكن قط يوما يذل أو يضعف أو يجبن ، بل كان مقداما وثابتا أمام الحق ولا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يصرفه عن خدمة نبيه ووسيلته ﷴ ﷺ : بغض عدو مستعمر أو حمق صديق جاهل .
وهكذا يتبين علو همة الشيخ وذكاؤه الحاد ووسطيته حيث لم يكن قواما صواما فحسب ، بل جمع بين حرثي الدارين . أي : كما قال تعالى تماما : وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتِيكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا . القصص : ﴿76﴾ . ولم يكن من الذين يداومون على تلاوة القرآن والصلاة ليلا ونهارا وينسون حظهم من الدنيا . وأوشكوا ألا يجدوا لقمة يأكلونها أوما ينفقون على أهليهم . مع إقبال الدنيا إليه استقبلها الشيخ بالطلاق وباعها . كما قال :
أَقْبَلَــــــتِ    الدُّنْيَــــــــا    إِلَــــــيَّ    قَبْـــــلُ
 وَبِعْتُهَــــــا   وَزَالَ   عَنِّـــــــي   الْكَبْـــــــلُ(8) 
وإن لاحظنا في تلك الفترة التي نشأ فيها هذا الإمام المجاهد  أفاض الله علينا ببركاته وما كان العالم يعانيه من الحيرة والصراعات وحروب ووقائع لا تنتهي . وموقف الملوك من السلب والنهب واللهو واللعب والقضاء على من خالفهم . وفي حين أن الغرب بدأ يتغلغل في قارتي : آسيا وإفريقيا ويفرضوا سيطرتهم وهيمنتهم على العباد والبلاد ، وكأنهم قد تقاسموا القارتين فيما بينهم . 
وكانت السنغال حينذاك تحت الاحتلال الفرنسي ، الذي استمر بنظام تجارة الرقيق ، واسترقاق المواطنين . وبذل جهودا كبيرة في تنصير السكان المحتلين ومسح هويتهم الإسلامية وثقافتهم الإفريقية . 
ووسط هذه القلاقل والاضطرابات وفي دياجير الاستعمار الفرنسي ، بزغ فجر هذا الغوث الكبير وأظهر حنكته وفراسته بأن يواجه ويناضل الفرنسيين وحده بطريقة أسرع وأقل كلفة من غير أن يستخدم الأسلحة أو يلحق بأمته خسائر مادية أو معنوية .
ومن أعجب العجائب وأغرب الغرائب التي يراها كل من تأمل وتدبر حياته كلها : أنه استطاع تحمل قضاء الله وقدره عليه عبر السلطة الفرنسية المستعمرة بنفيه وتغريبه وانتقاله من مكان إلى آخر زهاء ثلاث وثلاثين سنة ، ولم يشتك ولم يتراجع ولم ييأس من رحمة ربه ، بل توكل عليه وفوض إليه أمره والله بصير بالعباد . وفي هذا أصبح ملجأ للمتحير وحمى لمن يستجير . وقد خلد هذا المعنى في قوله :
 نَـــــــزَعَ   لِـــــي   وَلَيْـــــسَ   مِنِّـــــي   يَنْـــــــزِعُ 
 وَإِنَّنِـــــــي    بِـــــهِ     حِمــــــــىً     وَمَفْــــــزَعُ(9)
و تتجلى عبقريته : أنه – قاد له الله ما اختار له – ربى جيلا ورجالا وخرج رعيلا من الأفذاذ جلهم كانوا على شفا جرف هار فأنقذهم منه وأوردهم مناهل الرشاد عبر أجمل وأبهى سبل التربية والترقية والتصفية حتى أصبحوا بدورهم يربون الناس ويُخَرجون عشرات لا مثيل لهم ولا نظير . وما أحسن قول القائل في وصف أدبهم وهيئتهم :
مُرَبُّـــونَ قَــــدْ غَضُّـــــوا مِــــنَ ابْصَارِهِـــــــمْ غَضَّـــــا 
كَــــــأَصْوَاتِهِـــــمْ حَتَّــــــى يُظَنُّـــوا مَعــــــاً مَرْضَــــــى 
 أَرَادُوا أَطِبــــــــــــاًّ أَوْ مَسَـــــاكِيـــــــــــــنَ هَمُّهُـــــــمْ  
ذَوُو  صَدَقَــــاتٍ مُقْرِضُــــــــوا رَبِّهِـــــمْ قَرْضــــــــاَ(10) 
هذا من ناحية موقف المجتمع إبان ظهور الشيخ الخديم ومجيئه لتجديد دين الله وإنقاذ الناس مما كانوا فيه . وأما من نواح أخرى ، فإن الشيخ { قدس الله سره } من أحاط بحياته علما ودبرها أحسن التدبر يرى : أنه كان بمثابة دواء لأدواء الناس ، وليس عامة الناس فحسب ، بل حتى الملوك والأقيال . ومثال هذا : حينما تعرض ( لاتجور ديوب ) لفقدان ملكه من قبل ابن أخته ( صامب لاوبي فال ) بدعم من السلطات الفرنسية ، بعد حدوث زلازل كبيرة بينه وبين فرنسا ، ثم طردوه إلى سالم . ولم يبق معه إلا قلة قليلة من عياله وحواشيه وخدمه ، تحير وتذكر جميع الشيوخ والملوك ليجد من يشاوره في قضيته ، لم يهده قلبه تجاه أحد منهم إلا شيخنا - رغم الزلازل والخلافات التي كانت بينهما - لكنه كان يعلم كل العلم أنه { رضي الله عنه } بريء من جميع الأدناس والرذائل . 
وبعد أن تحدث معه ، أجابه الشيخ بكلماته الثابتة إلى يوم القيامة التي تستحق أن تكتب بماء الذهب والفضة : “ إن الرأي في تولي الدنيا أن تتولى عنها ، فتترك لأرباب الدولة الجديدة دنياهم “(11)... كما في المنن .
ولكن يبدوا أن هناك سؤالا يطرح نفسه بإلحاح : كيف لرجل بدون جيش ولا سلاح أن يقاوم طيلة هذه السنوات – ثماني حجج في البحر " الغابون " وسبع سنوات في الصحراء " الأراضي الموريتانية " وعشرون سنة في أرضه " اتيايين جولوف وديوربيل " والمجموع : ثلاث وثلاثين سنة تقريبا – في مواجهة قوم أولوا قوة وأولوا بأس شديد ؟!
وللإجابة عن هذا السؤال المطروح ، نحتاج إلى الإقتباس من الكتاب والسنة وفي ضوء تعاليمه وكتاباته اجمالا واختصارا . يقول الله تعالى في سورة النساء : وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً . النساء : ﴿ ﴾كما قال أيضا جل وعلا : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الَاشْهَٰدُ . غافر : ﴿52﴾ .
 وروى مسلم بسند عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ “(12). وحديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ(13) “ . 
ويقول { رضي الله عنه } موضحا عن أسباب نفيه إلى الجزائر والحكمة الإلهية في ذلك :
 يَــــا جُمْلَـــــةً قَـــــــدْ ثَلَّثُـــــــواْ بِضَلاَلِهِـــــــمْ 
 مَــــــنْ لَمْ يَكُــــــن وَلَـــــدٌ لَــــــهُ أَوْ وَالِـــدُ
أَخْرَجْتُمُونِـــــــــي نَـــــاطِقِيـــــــنَ بِأَنَّنِـــــــي
 عَبْــــــدُ الإِلَــــــهِ وَإِنَّنِـــــــــي لَمُجَاهِـــــــدُ(14) 
ويقول في نفس القصيدة :
 وَمَقَـــــــالُكُمْ إِنِّـــــــي أُجَاهِــــــدُ صَــــــادِقٌ
  إِنِّـــــي  لِـــوَجْـــــهِ اللهِ جَـــــلَّ أُجَـــاهِـــــــدُ 
  إِنِّـــــي أُجَاهِــــــدُ بِالْـعُلُــــــومِ وَبِـــــالتُّقَــــى 
 عَبْــــداً خَدِيمـــــاً وَالْمُهَيْمِـــــنُ شَاهِـــــدُ (15)
وفي قصيــــــــدة أخــــــــــرى :
سَبَــــــــبُ غَـــــــيْبَــــــتِــــــــــــيَ أَنَّ اللهَ 
أَرَادَ أَنْ أَنَـــــــالَ مِـــنْــــــــهُ جَاهَــــــــــا 
وَأَنْ أَكُـــــــونَ شَـــافِــــعــــاً لِّقَــــوْمِـــــي 
وَأَ نْ أَكُــــونَ خَـــادمــــاً فِــــــي دَوْمِ(16) 
جدير بمثل هذا الشخص أن نفعل كل ما بوسعنا ونبذل قصارى جهدنا لنفهم ونعلم : أي رجل هو ؟ وكيف كان يعيش مع المجتمع حتى سابقوا إليه ويزدحمون عند بابه بكرة وعشيا ؟.
لم ينقطع وصالنا بحبال الخيرات بمجرد انتقال العبد الخديم إلى جوار ربه ، بل ترك وخلف أبناءه الأمجاد ذوي الأنوار وخلفاءه البررة ينشرون ما كان عليه والدهم ويعلون الهمم وتركوا إرثا عظيما . ومن الجدير بالذكر أنهم بعد رحيل والدهم إلى ربه الكريم المكرِّم لم تنهر عزائمهم ، بل زادت خفاقة . ولم يستسلموا لشماتة الأعداء ، بل استمروا في منهج والدهم الشيخ : زهدا وورعا وتقوى واتباعا لسنة المصطفى ﷺ . ألم تر كيف اعتنوا جدا بجمع كتابات الشيخ الخديم وقصائده ووصاياه ؟! وفتح المدارس والمعاهد والجامعات ؛ حرصا على سلوكيات الناس وسلامة المجتمع وازدهار البلد وتقدمه . وهم في الاتحاد والتضامن كمثل الجسد الواحد أو كبنيان مرصوص . لو كنت في مجلسهم لما كدت تعرف كبيرهم من صغيرهم كل واحد منهم يرى نور الشيخ في أخيه وأنه خير منه ويتخذه سيدا مع احترام كبير بينهم . علاوة على ذلك لكل منهم مزايا خصصت له ومميزات عرف بها. وسوف نبسط القول في هذه الحقائق في الفصول القادمة إن شاء الله .
بينما هناك عظماء مثل هؤلاء الذين غيروا مجرى الأيام والأعوام ، كنت دوما أريد أن أصنف كتابا فريدا في عصره ، موصوفا بجماله ,أتحدث فيه عن حياة هذا الشيخ الجليل ، والبطل الصنديد . رغم صعوبة الكتابة والتحدث في هذا المضمار ؛ نظرا لكثرة الخرافات والمبالغات المحيطة بحياته { رضي الله عنه } من بعض الرواة والخطباء الذين يسعون خلف مصالحهم الشخصية ويبتدعون قصصا لا توافق الواقع ولا الحقيقة . وأنا بدوري كباحث سأفعل كل ما أوتيت من قوة وكل ما استطعت لتمحيص القصص والروايات الضعيفة من الصحيحة . راجيا أن يكون هذا الكتاب مرجعا أساسيا ومصدرا رئيسيا للمسلمين عامة وللمريدين خاصة .
وسأذكر فيه حياة الشيخ الخديم مفصلة من المهد إلى اللحد ، وكل من ولي الخلافة المريدية : ابتداء من ابنه البكر وخليفته الأول : الشيخ محمد المصطفى . ومرورا بالخلفاء الأبرار الذين جاءوا من بعده . وإنهاء بخليفة عصرنا فضيلة الشيخ : محمد المنتقى ابن ابنه : الشيخ محمد البشير . حفظه الله ورعاه وأطال عمره وأكمل أمنياته . إضافة إلى ذكر أبنائه الكرام وبناته القانتات العابدات ومشايخ الطريقة المريدية . معتمدا على ما سمعته من بعض الرواة الثقات عندي وما حكوه لي مشافهة . وأمهات الكتب المريدية : كمنن الباقي البشير ، في سيرة الشيخ الخديم _ لابنه الشيخ محمد البشير امباكي . وإرواء النديم ، من عذب حب الخديم . لأمين سره الشيخ محمد الأمين ديوب الدغاني . والشيخ أحمد بامبا امباكي عبد الله وخديم رسوله الصادر عن لجنة : دائرة روض الرياحين . والنهج القويم في سيرة الشيخ الخديم للشيخ محمد المحمود انجينغ .......
والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب . وعليه توكلنا ، نسأله سبحانه وتعالى : القبول والغفران . وهو ولي ذلك والقادر عليه وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به . والسلام علينا وعليكم وعلى عباد الصالحين !!! .
الكاتب :
                           المتفاني في حب شيخه : الشيخ الخديم البكي السلامي .
                                          1447ه / ذو القعدة / 24
                                             2026م / مايو / 12
                                                   الثلاثاء .


المصادر والمراجع :



(1) : صحيح البخاري ، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر ، الطبعة : الأولى ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، ص 131، رقم الحديث : (6502) .

(2) : مسند البزار (البحر الزخار) ، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق العتكي البزار ، تحقيق : د . محفوظ الرحمن زين الله ، مكتبة العلوم والحكم . ط :  الأولى : 1424 هـ - 2003 م ،  ص 351 ، رقم الحديث : (5172) .

(3) :  أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ،  تحقيق : شعيب الأرناؤوط وآخرون ، المجلد (45) ، ص 575 ، رقم الحديث : (27599)  . وأخرجه ابن ماجه في سننه ، دار إحياء الكتب العربية (بيروت) ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ،  ص 1378 ، رقم الحديث : (4119) .

(4) : أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره  ، مؤسسة الرسالة (بيروت) ، الطبعة الأولى ، 1421 هـ ، تحقيق : أحمد محمد شاكر ،  ص 122 ، رقم  : (17734) . وأخرجه مطولاً في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس وعلي)، مطبعة المدني  ، تحقيق : محمود محمد شاكر ، ص 450 ، رقم الحديث : (744) .

(5)  : قصيدته المقيدة بحروف قوله تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز....

(6) : قصيدته : منن الباقي القديم ، في معجزات الراقي المخدوم .

(7) : نهج قضاء الحاج ، للشيخ الخديم . ديوان العلوم الدينية : ط : 4 ، ص : 486 . وهو في : كشف المشكل لابن الجوزي .

(8) : منور الصدور . للشيخ الخديم . ديوان العلوم الدينية ، ط : الرابعة ، ص : 430 .

(9) : الشيخ أحمد بامبا : منن الباقي القديم ، قي معجزات الراقي القديم .

(10) : الشيخ أحمد بامبا امباكي عبد الله وخديم رسوله ، دائرة روض الرياحين ، ط : الأولى ، ص : 410 .

(11) : منن الباقي القديم ، قي سيرة الشيخ الخديم ، تحقيق : د : محمد شقرون ، ط : 2 بعد التحقيق ، ص : 152 .

(12) : صحيح مسلم ، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، دار إحياء التراث العربي (بيروت) ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، ص : 1523 ، رقم الحديث: (1920) .

(13) :سنن الترمذي (الجامع الكبير) ، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن الترمذي ، تحقيق : بشار عواد معروف ، دار الغرب الإسلامي (بيروت)، ط : 1 ،  ص : 95 ، رقم الحديث : (1392) ،

(14) : من قصيدته التي مطلعها : يا جملة قد ثلثوا بضلالهم **** من لم يكن ولد له أو والد .

(15) : المرجع السابق .

(16) : للشيخ الخديم رضي الله  عنه .

المجازفات الثقافية التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي لغصب فلسطين .




بسم الله الرحمن الرحيم


تنبه الشريعة الدولية والاتفاقيات والمواثيق العالمية إلى خطورة محاولات طمس الهوية الثقافية للشعوب، وإن من أبرز وأهم الأحداث والوقائع التاريخية المرتبطة بالقضية الفلسطينية ما أقدم عليه الاحتلال الإسرائيلي من مجازفات وممارسات ثقافية ممنهجة لغصب أرض فلسطين وتزييف تاريخها وتراثها العريق . وللتوسع داخل هذا الموضوع ومعالجته معالجة واضحة، سنقوم بطرح التساؤلات الآتية : ما هي أبرز مظاهر وأبعاد المجازفات الثقافية التي مارسها الاحتلال لغصب فلسطين؟ وكيف انعكس هذا السلوك الاستعماري على الهوية والتراث الفلسطيني؟

 

تتجلى أولى المجازفات والممارسات الثقافية للاحتلال في الاستهداف المباشر للمباني التاريخية والمعالم الأثرية والمقدسات الدينية التي تشهد على عروبة وأصالة الأرض الفلسطينية . وشمل هذا المظهر تدمير وتجريف مئات القرى والبلدات القديمة ، وتحويل المساجد والكنائس الأثرية أو إغلاقها ، فضلاً عن عمليات الحفر المستمرة أسفل وفي محيط المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف ، بهدف البحث عن شواهد تاريخية مصطنعة تدعم الرواية الاستعمارية وتختلق حقاً زائفاُ على حساب التاريخ الثابت والحقائق التاريخية الراسخة . وعلاوة على ذلك ، أقدمت آلة الاحتلال على استهداف المراكز الثقافية والمتاحف والمكتبات الوطنية وتدمير محتوياتها من المخطوطات والوثائق التاريخية النادرة ، محاولة بذلك قطع صلة الأجيال الفلسطينية الجديدة بإرثها المعرفي والحضاري التليد .

لم تقتصر المجازفات على الهدم المادي ، بل امتدت لتشمل حرباً لغوية وتسموية واسعة النطاق عُرفت بسياسة التهويد الممنهج للجغرافيا الفلسطينية . وتمثل هذا السلوك في محو الأسماء العربية الأصلية للمدن والقرى والشوارع والمعالم الطبيعية والجبال ، واستبدالها بأسماء وتسميات عبرية مستحدثة ومستوحاة من سرديات غريبة عن طابع الأرض وأهلها ، وذلك لإيهام العالم الخارجي بعراقة وجودهم المصطنع . ويمتد هذا السطو الاستعماري ليشمل مكونات التراث الفلسطيني اللامادي ، مثل محاولات سرقة ونسب الثوب الفلسطيني المطرز ، والمأكولات الشعبية التقليدية ، والفنون والرقصات الفلكلورية الأصيلة ، وعرضها في المحافل الدولية كجزء من الموروث الثقافي للاحتلال ، في مجازفة واضحة لتجريد الشعب الفلسطيني من ملامحه الروحية والحضارية ونسبها إلى الجلاد .

تتجسد المجازفة الثقافية الأكثر عمقاً في الملاحقة والتضييق المستمر على حملة الفكر والقلم من الأدباء ، والشعراء ، والمفكرين ، والفنانين الفلسطينيين الذين حملوا لواء الدفاع عن قضيتهم العادلة بوعي وعزيمة . وشملت هذه الممارسات فرض الرقابة الصارمة على المناهج التعليمية في القدس المحتلة لمنع تدريس التاريخ الفلسطيني ، وحظر الكتب والمصنفات الأدبية التي تذكي روح المقاومة والحفاظ على الهوية ، إلى جانب إغلاق المؤسسات التعليمية والثقافية بذرائع واهية تافهة . وبالمقابل ، يسخر الاحتلال ماكينته الإعلامية والأكاديمية الضخمة لترويج رواية ثقافية وتاريخية مضللة ومجحفة تقوم على تغييب الوجود الفلسطيني وإنكار حقوقه التاريخية المشروعة ، في محاولة يائسة ومستمرة لإقناع المجتمع الدولي بشرعية هذا الغصب وإلباسه لباسا حضاريا زائفا .

 

وفي نهاية هذا البيان المستفيض والمناقشة التاريخية، نخلص إجمالا إلى أن المجازفات والممارسات الثقافية التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي لغصب فلسطين تمثل وجهاً خطيراً من أوجه الاستعمار الاستيطاني الذي لا يكتفي بقهر وقسر الأجساد ومصادرة الأرض ، بل يسعى جاداً إلى صهر العقول وإبادة الهوية المعنوية للشعوب . ونستنتج في الختام ، أنَّ هذه المحاولات لطمس وتزييف التراث الفلسطيني قد باءت بالفشل أمام الصمود الثقافي الأسطوري للشعب الفلسطيني المستمسك بجذوره وأصالته وحقه التاريخي، ليبقى الوعي بالقضية وحبلها المتين شرياناً حياً نابضاً ينتقل من جيل إلى جيل في شتى بقاع الأرض، مؤكداً أنَّ الحقوق التاريخية الثابتة والمدعومة بنور العقل والعدالة لا يمكن أن تطمسها عواصف التزييف والمجازفات الاستعمارية العابرة .

يَا أَيُّهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى

بَارَزْتُمُ الْمُنتَقِمَ الْجَبَّارَا

*  *  *  *

وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ

وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ تَبّاَ لَّهُمْ

لعنة الله على إسرائيل ومن والاها وغضب وذلة في الحياة الدنيا والغرق في دركات جهنم إلى أبد الآبدين .

المتفاني في حب شيخه :                       

 الشيخ الخديم البكي السلامي .               

1448ه / صفر / 28                   

2026م / أغسطس / 12               

                                                                 الأربعاء