الجمعة، 14 أغسطس 2026

هل يمكن الوصول الى السعادة بالاعتماد على المادة فحسب ؟









بسم الله الرحمن الرحيم


إن الإنسان منذ أن وطئت أقدامه هذه البسيطة ، مازال ولن يزال يبحث عن غاية كبرى وهدف أسمى ، تمنحان حياته معنى وقيمة ، ولا بد أرفع هذه الغايات التي أجمعت عليها الأمم بأسرها هي : طلب "السعادة " . غير أن الفلاسفة والمفكرين – قديما وحديثا - قد تباينت مسالكهم واختلفت مشاربهم في تحديد المعنى الحقيقي لهذه السعادة ، وفي معرفة السبيل الأسرع الموصل إليها . فبينما يرى البعض أن السعادة تكمن في متطلبات الجسد والمادة ، يرى آخرون عكسها تماما ، أي أن حقيقتها لا تنفص عن صفاء الروح والتعالي الأخلاقي .

ومن هذا المنطلق ، يضعنا السؤال القيد الدرس والتحليل أمام مفارقة فلسفية حادة تنشأ من التداخل بين ما هو مادي ملموس وما هو روحي معنوي في الطبيعة الإنسانية ، مما يدفعنا إلى التساؤل عن مدى كفاية الجانب المادي في تحقيق الرضا الإنساني الكامل.

ويمكننا طرح الإشكاليات التالية : هل السعادة مجرد تلبية للحاجات أو الرغبات المادية وتوفير للرفاهية الحسية ؟ أم أن حقيقتها تكمن في طمأنينة الروح والتحرر من أسر المادة؟


انطلاقا من النقطة الأولى ، فتذهب طائفة هائلة من الفلاسفة والمفكرين ، لا سيما أصحاب النزعات المادية ، والواقعية ، والنفعية ، إلى التأكيد على أن السعادة الإنسانية ليست مجرد أوهام معلقة في السماء أو مجرد تراكيب ذهنية مجردة ، بل هي واقع ملموس يرتبط ارتباطا وثيقا بمدى تلبية الاحتياجات المادية وتوفير الرفاهية والراحة الجسدية للإنسان . وينطلق أصحاب هذا الطرح من رؤية أنثروبولوجي واقعية تعتبر الإنسان في مقامه الأول كائنا طبيعيا ، بيولوجيا ، له متطلبات مادية قطعية لا يمكن إغفالها أو إهمالها . فلا يمكن في نظرهم الحديث عن راحة نفسية ، أو سكينة روحية ، أو طمأنينة فكرية ، في ظل وجود مجاعات طاحنة بالإضافة إلى وجود مئات يعانون من الفقر المدقع ، أو أمراض فتاكة تنهش أجسادهم ؛ إذ كيف لفقير لا يجد قوت يومه، أو لمريض يتلوى من شدة الألم ، - حتى ولو كان صاحب مليارات - أن يشعر طعم السعادة ؟ .

وفي هذا السياق التاريخي والفلسفي ، نجد الفيلسوف اليوناني أبيقور يضع اللبنات الأولى لهذا التوجه ؛ حيث يرى أن السعادة تتمثل وتنعكس في " اللذة والتحرر الكامل من الألم الجسدي والمعاناة النفسية . بيد أن أبيقور لا يقصد اللذة العشوائية ، بل إشباع الرغبات الطبيعية والضرورية التي تحفظ حياة الإنسان وصحته ، معتبرا أن الجسد هو بوابة النفس ، إذا اشتكى منه عضو اشتكت بقية الجوارح ، وأن استقراره وسلامته المادية هي المحرك الأساسي لكل سلام واطمئنان .

وفي العصر الحديث ومع الثورة الصناعية والتطور العلمي والتكنولوجي ، تطور هذا الفكر ليأخذ طابعا اقتصاديا ونفعيا مع الفيلسوف الإنجليزي جيرمي بنثام الذي صاغ " مبدأ المنفعة " ، مؤكدا أن الفعل البشري يكون صالحا وسعيدا بقدر ما يحقق من منفعة مادية ولذة واقعية لأكبر عدد من الناس . وتبعه في ذلك جون ستيوارت ميل الذي ربط السعادة بالرفاهية الاجتماعية والاقتصادية .

ومن الواقع المعاصر ، يمكننا الاستدلال على قوة هذا الطرح من خلال ملاحظة : كيف تسعى الدول الحديثة المزدهرة ذات القوى الاقتصادية إلى توفير البنية التحتية ، والمستشفيات ، وتأمين الوظائف ، والرفاهية المادية لمواطنيها ؛ لأن غياب هذه المقومات المادية يحول حياة المجتمعات إلى جحيم من القلق والفوضى والاضطراب . وتأسيسا على كل هذه الحجج ، تظهر المادة كشرط أساسي وقاعدة صلبة لا بد منها لبناء صرح السعادة وطمأنينة العيش .

وعلى الرغم من القيمة الحيوية والوجاهة الظاهرة لهذا الطرح المادي ، والأهمية القصوى لتأمين الحاجات الاقتصادية والبيولوجية للإنسان لضمان بقائه ، إلا أن قصر السعادة على الجانب المادي الاستهلاكي الفاني يظل نظرة قاصرة واختزالا مجحفا للطبيعة الإنسانية المركبة . فالإنسان ليس آلة صماء ، أو كائنا حركته الغرائز المادية والشهوات الحسية فقط ، بل هو ذات واعية ، وروح تسمو وتتطلع إلى ما هو أرفع من مجرد الاستهلاك .

والواقع التاريخي واليومي يثبت لنا بالدليل القاطع بطلان الاكتفاء بالمادة ؛ فكم من فئات ومجتمعات تعيش في قمة الترف المادي والرفاهية الاقتصادية ، ولكنها تعاني من أعلى نسب الانتحار ، والاضطرابات النفسية ، وضياع الهوية ، مما يؤكد أن وفرة المادة لا تعني بالضرورة توفر السعادة ، ويحتم علينا بالضرورة الفلسفية التفتيش عن جوهر آخر للسعادة يتجاوز حدود المحسوسات ، وينفذ إلى أعماق الروح والوجدان .

وبالمقابل، وبناء على التهافت الواضح في الطرح المادي الصرف ، يذهب فلاسفة النزعة الروحية ، والعقلانية ، والأخلاقية ، إلى التأكيد على أن السعادة الحقيقية والدائمة هي نتاج خالص لسلامة الباطن ، وطهارة النفس ، وصفاء الروح ، والتحلي بالفضائل ، والتحرر من أسر الشهوات المادية التي لا تنتهي وراء سراب زائل . فالإنسان في نظرهم لا يسعد بما يملك في جيبه أو حوزته من متاع ، بل يسعد بما يكون عليه في عقله ونفسه من توازن واعتدال ؛ فالمادة خارجية وعارضة ، بينما السكينة منبعها داخلي أصيل لا يتأثر بتقلبات الظروف المعيشية .

وهكذا ، نجد سقراط في الفلسفة اليونانية القديمة يعتبر  بين الفكر في عصره ، معلنا أن السعادة تضع حصريا في " الفضيلة والمعرفة " ، وأن الذي يملك الأموال والقصور والإنسان لكنه يريد إلى الأخلاق والفضيلة يعيش في شقاء باطن  ؛ لأنه نفسه ممزق بالشرور ومستعبدة للأهواء . وكذلك المدرسة الرواقية التي اعتبرت أن السعادة هي " التحرر من الانفعالات " والرضا التام بقضاء الكون وقدره وتدبيره .

في الفلسفة العقلية الحديثة ، نجد الفيلسوف الفرنسي ديكارت يؤكد أن الطمأنينة الحقيقية تنفجر من رضا النفس عن النفس براحة النفس التي ينالها الإنسان يستخدم عقله سليما للتحكم في رغبات جسده وأهوائها غير المشروعة ، حيث يصبح الفرد سيدا لنفسه ، لا عبدا لشهواته .

وإذا أردنا إسقاط هذا الطرح الروحي على الواقع التاريخي لغرب إفريقيا والسنغال تحديدا ، نجد نموذجا حيا يتجلى في سيرة المجددين العظام كالشَّيخ الخديم أحمدو بامبا { رضي الله عنه } ؛ فبالرغم من المحاصرة والاستعمار والنفي والتغريب والحرمان المادي الطويل لزهاء ثلاث وثلاثين سنة ، إلا أنه عاش في قمة الطمأنينة والسعادة الروحية ، وخلد ذلك التحرر من كبل الدنيا في قصائده ومؤلفاته ، مما يثبت عمليا أن الأمن الروحي ، والسكينة الإيمانية ، والتعلق بالخالق والوسيلة ، هي الحصن والسياج والملجأ الحقيقي الذي يمنح الإنسان سعادة أبدية لا تنزعها قوة مستعمر غاشم ولا فقر معيشي مرير .



وفي نهاية المطاف ، يمكننا القول إن إشكالية السعادة وعلاقتها بالمادة والروح تظل واحدة من أعقد القضايا التي تشغل الفكر الإنساني . فقد كشف لنا التحليل عن تجاذب حاد بين أطروحتين : الأولى نزعت نزعة واقعية مادية ، معتبرة أن الرفاهية الاقتصادية وتلبية الاحتياجات الجسدية والبيولوجية هي القاعدة الصلبة والشرط الأول والأساسي الموصل إلى طمأنينة العيش وراحة البال ؛ بينما نزعت الأطروحة الثانية نزعة مثالية روحية ، مؤكدة على أن السعادة الحقيقية والدائمة لا تنبع من المؤثرات الخارجية الفانية ، بل تولد من عمق الذات الإنسانية عبر صفاء الرح ، والتحلي بالفضائل الأخلاقية ، والتحرر التام من أسر الشهوات المادية وسرابها الزائل .

وفي تقديرنا الشخصي ، وبناء على هذه المقاربة التحليلية ، نرى أن السعادة الإنسانية الحقيقية لا يمكن اختزالها في جانب واحد على حساب الآخر ؛ فالإنسان بطبيعته كائن مركب يجمع بين طين الأرض ونفخة السماء ، أي بين الجسد والروح . وبالتالي ، فإن البحث عن السعادة بالاعتماد على المادة فحسب هو ركض وراء وهم منقوص ، كما أن إغفال متطلبات الحياة المادية بدعوى الروحانية المحضة قد يؤدي بالفرد إلى الضنك والتبعية المعيشية .

إن السعادة المثلى تتجلى بوضوح في "الوسطية والاعتدال" ، والجمع المتوازن والمحكم بين "حرثي الدارين" ؛ امتثالا وتطبيقا لقوله جل وعلا في سورة القصص : {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ...} . وهو المنهج العملي القويم الذي جسده العارفون بالله في تاريخنا الإسلامي ، والذين أثبتوا للعالم أن التحرر الحقيقي والسيادة النفسية ينبعان من جعل الدنيا في اليد للاستعانة بها على العمل وعمارة الأرض ، لا في القلب للتعبد لها والاستسلام لشهواتها . وأخيرا ، تظل السعادة رحلة باطنية وظاهرية مستمرة ، غايتها صون كرامة الإنسان ماديا وروحيا ، وتحقيق توازنه وسط أمواج هذا الوجود المتلاطم .

المتفاني في حب شيخه :
 الشيخ الخديم البكي السلامي .
الأحد / 2026م / مايو / 24 / 1447ه/ ذو الحجة / 7

هناك تعليق واحد: