بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ، ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل . الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وعلمه مالم يكن يعلم ، وفضله على كثير من عباده تفضيلا ، وكان فضله عليه عظيما . لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد . والصلاة والسلام على نبيه الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، وخلف لنا بعده أولياء عظماء نجباء ذوي الخوارق والكرامات ، وبشرنا بقوم مجددين للدين الإسلامي في مطلع كل قرن وريعانه . سيدنا محمد سيد السادات ، الذي لم يبد مثاله فيما مضى قبله ولا يأت مثله بعده . وعلى آله وأصحابه الذين كانوا إلى الأخرى ذوي انطلاق ، إذ واجهوا الضرة بالطلاق . ومن تبعهم بإحسان وسلك نهجهم واقتفى آثارهم إلى يوم فيه تبلى السرائر . ويثاب من آمن وعمل الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وإن هذا لهو الفوز العظيم .
( أما بعد : )
فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه : تِلْكَ الرُّسُل ُفَضَّلْنَا بَعْضَهُم ْ عَلَىٰ بَعْضِ .... البقرة : ﴿251﴾. وقال أيضا جل وعلا شأنه : يَا أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله َوَابْتَغُواْ إِلَيْه ِالْوَسِيلَة َ. المائدة ﴿38﴾ . إضافة إلى ذلك يقول تعالى : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاء َالله ِلَا خَوْفٌ عَلَيْهِم ْوَلَا هُمْ يَحْزَنُون َ، الذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون َ، لَهُم ُالْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ . ﴿65 /63 ﴾ . وفي سورة الزخرف : وَرَفَعْنَا بَعْضَهُم ْفَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ... الزخرف : ﴿ 31 ﴾ .
كما أتى في حديث قدسي يقول سبحانه وتعالى : مَن ْعَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنتُه ُبِالْحَرْبِ(1) . وروى البزار عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : من أولياء الله ؟ قال : الذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِر َاللهُ عَزَّ وَجَلَّ(2) . ويؤيد هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل وابن ماجه ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ " ؟! قيل : بلى يا رسول الله ! قال : " الذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ الله ُعَزَّ وَجَلَّ(3) " .
وروى ابن جرير بسند عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال : "إِنَّ مِن عِبَاد ِاللهِ عِبَاداً يَغْبِطُهُمُ الأَنبِيَاء ُوَالشُّهَدَاءُ " قيل : من هم يا رسول الله ؟! لعلنا نحبهم . قال : " هُمْ قَوْم ٌتَحَابُوا فِي الله ِمِن ْغَيْرِ أَمْوَالٍ وَلاَ أَنسَاب ٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِن نُور ٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ ، وَلاَ يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِن َالنَّاسُ . ثم قرأ : أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم ْوَلاَهُمْ يَحْزَنُونَ (4) " .
من أنعم الله تعالى التي لا حصــر لها ولا تعد ولا تحصى علينا نحن أهل القرنين الرابع والخامس عشر الهجريين – لا سيما نحن المسلمين عموما والسنغاليين خصوصا – ظهور رجال كرماء من كبار الأولياء والصالحين الأصفياء . الذين جاءوا ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور ولينقذوهم مما هم فيه من الضنك والضلال والضياع .
وتاريخنا الإسلامي مفتخر بأولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وهم خلق كثير وجمع غفير منذ القرون الثلاثة الأولى . ومن ضمن هؤلاء : شيخنا ومولانا أحمد بامبا امباكي – قاد له الله ما اختار له – الذي قال شاكرا لربه على نعمه :
زِمَــــــــامُ وَرَى عَصْــــرِي لَدَى اللــــــهِ فِي يَــــــدِي
وَمَــــــا رُمْتُــــــهُ مِـــــن مَالِكِي قَــــادَ بِالأَنِي(5)
ومن المعلوم حق المعرفة : أن قصة شيخنا أحمد بامبا امباكي خادم الرسول – من البداية إلى النهاية – وخلفائه وأولاده وأسرته وكبار المريدين مليئة بالدروس والعبر . ومن باب قوله تعالى : " لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الاَلْبَابِ " يوسف : ﴿111﴾ . وقوله تعالى : فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهمْ يَتَفَكَّرُونَ "الأعراف :﴿176﴾ ؛ لأنه – قدس الله سره – قد حاز حياة معجزة لا ترى لغيره . كما قال :
حُـــــــــــزْتُ حَيَــــــــــاةً لاَ تُــــــــرَى لِغَيْـــــــرِي
مُعْجِـــــــــــزَةً بَانَـــــــــــتْ لِأُذْنِ خَيْــــــــــرِ(6)
كان رضي الله عنه عارفا بالله ومثلا يضرب في التقوى والورع ورمزا للصبر والثبات عند المحن والشدائد وسباقا إلى الخيرات . سمى نفسه " عبد الله وخديم رسوله " اثباتا لكونه بعيدا من جميع أنواع الشرك وأجناسه . ومهما اختلفت الظروف والأحوال فهو يبقى عبدا متواضعا يعبد ربه ويخدم سيده ووسيلته إليه خير الخلق محمد عليه السلام . فضلا عن كونه عابدا قانتا كأنه راهب في محرابه وزاهدا فيما يجري من أمور الدنيا ، لا يعنيه شيء من متاعها وزينتها ، بل كان يمتثل ويسير على هدي قوله تعالى : " وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكُّلُونَ " الشورى :﴿34﴾ .ويعتقد في جميع الأمور أن الله رب حكيم وأنه يفعل ما يشاء . وهذا مما جعله يعيش حياة هادئة .
كما كان يتحلى بالحلم والتحلم في كثير من الأحوال . لكن على الرغم من تواضعه وحلمه كان في الشجاعة والوقار على جانب عظيم . ولكنهما مهدتا وقُرِنتا بالحلم والعفو ، لا بالقسر والتجبر والتكبر . ولكن ما معنى الشجاعة والبطولة الحقيقية عند الشيخ ؟! يقول { رضي الله عنه } :
لَيْــــــسَ الشُّجَـــــاع الــــذِي يَحْمِـــــي فَوَارِسَـــــهُ
يَـــــوْم الطِّعَـــــانِ إِذَا مـــــاَ الْحَـــــرْبُ تَشْتَغِـــــلُ
لَكِــــنَّ مَــــن غَـــــضَّ طَرْفـــا أَوْثَنَــــا قَدَمـــــاً
عَـــــنِ الْمَعَاصِــــي فَـــــذَاك الْفَــــارِسُ الْبَطَــــلُ(7)
مع ما كان يتعهده من العبادة لم يكن قط يوما يذل أو يضعف أو يجبن ، بل كان مقداما وثابتا أمام الحق ولا يخاف في الله لومة لائم ، ولا يصرفه عن خدمة نبيه ووسيلته ﷴ ﷺ : بغض عدو مستعمر أو حمق صديق جاهل .
وهكذا يتبين علو همة الشيخ وذكاؤه الحاد ووسطيته حيث لم يكن قواما صواما فحسب ، بل جمع بين حرثي الدارين . أي : كما قال تعالى تماما : وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتِيكَ اللهُ الدَّارَ الاَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا . القصص : ﴿76﴾ . ولم يكن من الذين يداومون على تلاوة القرآن والصلاة ليلا ونهارا وينسون حظهم من الدنيا . وأوشكوا ألا يجدوا لقمة يأكلونها أوما ينفقون على أهليهم . مع إقبال الدنيا إليه استقبلها الشيخ بالطلاق وباعها . كما قال :
أَقْبَلَــــــتِ الدُّنْيَــــــــا إِلَــــــيَّ قَبْـــــلُ
وَبِعْتُهَــــــا وَزَالَ عَنِّـــــــي الْكَبْـــــــلُ(8)
وإن لاحظنا في تلك الفترة التي نشأ فيها هذا الإمام المجاهد أفاض الله علينا ببركاته وما كان العالم يعانيه من الحيرة والصراعات وحروب ووقائع لا تنتهي . وموقف الملوك من السلب والنهب واللهو واللعب والقضاء على من خالفهم . وفي حين أن الغرب بدأ يتغلغل في قارتي : آسيا وإفريقيا ويفرضوا سيطرتهم وهيمنتهم على العباد والبلاد ، وكأنهم قد تقاسموا القارتين فيما بينهم .
وكانت السنغال حينذاك تحت الاحتلال الفرنسي ، الذي استمر بنظام تجارة الرقيق ، واسترقاق المواطنين . وبذل جهودا كبيرة في تنصير السكان المحتلين ومسح هويتهم الإسلامية وثقافتهم الإفريقية .
ووسط هذه القلاقل والاضطرابات وفي دياجير الاستعمار الفرنسي ، بزغ فجر هذا الغوث الكبير وأظهر حنكته وفراسته بأن يواجه ويناضل الفرنسيين وحده بطريقة أسرع وأقل كلفة من غير أن يستخدم الأسلحة أو يلحق بأمته خسائر مادية أو معنوية .
ومن أعجب العجائب وأغرب الغرائب التي يراها كل من تأمل وتدبر حياته كلها : أنه استطاع تحمل قضاء الله وقدره عليه عبر السلطة الفرنسية المستعمرة بنفيه وتغريبه وانتقاله من مكان إلى آخر زهاء ثلاث وثلاثين سنة ، ولم يشتك ولم يتراجع ولم ييأس من رحمة ربه ، بل توكل عليه وفوض إليه أمره والله بصير بالعباد . وفي هذا أصبح ملجأ للمتحير وحمى لمن يستجير . وقد خلد هذا المعنى في قوله :
نَـــــــزَعَ لِـــــي وَلَيْـــــسَ مِنِّـــــي يَنْـــــــزِعُ
وَإِنَّنِـــــــي بِـــــهِ حِمــــــــىً وَمَفْــــــزَعُ(9)
و تتجلى عبقريته : أنه – قاد له الله ما اختار له – ربى جيلا ورجالا وخرج رعيلا من الأفذاذ جلهم كانوا على شفا جرف هار فأنقذهم منه وأوردهم مناهل الرشاد عبر أجمل وأبهى سبل التربية والترقية والتصفية حتى أصبحوا بدورهم يربون الناس ويُخَرجون عشرات لا مثيل لهم ولا نظير . وما أحسن قول القائل في وصف أدبهم وهيئتهم :
مُرَبُّـــونَ قَــــدْ غَضُّـــــوا مِــــنَ ابْصَارِهِـــــــمْ غَضَّـــــا
كَــــــأَصْوَاتِهِـــــمْ حَتَّــــــى يُظَنُّـــوا مَعــــــاً مَرْضَــــــى
أَرَادُوا أَطِبــــــــــــاًّ أَوْ مَسَـــــاكِيـــــــــــــنَ هَمُّهُـــــــمْ
ذَوُو صَدَقَــــاتٍ مُقْرِضُــــــــوا رَبِّهِـــــمْ قَرْضــــــــاَ(10)
هذا من ناحية موقف المجتمع إبان ظهور الشيخ الخديم ومجيئه لتجديد دين الله وإنقاذ الناس مما كانوا فيه . وأما من نواح أخرى ، فإن الشيخ { قدس الله سره } من أحاط بحياته علما ودبرها أحسن التدبر يرى : أنه كان بمثابة دواء لأدواء الناس ، وليس عامة الناس فحسب ، بل حتى الملوك والأقيال . ومثال هذا : حينما تعرض ( لاتجور ديوب ) لفقدان ملكه من قبل ابن أخته ( صامب لاوبي فال ) بدعم من السلطات الفرنسية ، بعد حدوث زلازل كبيرة بينه وبين فرنسا ، ثم طردوه إلى سالم . ولم يبق معه إلا قلة قليلة من عياله وحواشيه وخدمه ، تحير وتذكر جميع الشيوخ والملوك ليجد من يشاوره في قضيته ، لم يهده قلبه تجاه أحد منهم إلا شيخنا - رغم الزلازل والخلافات التي كانت بينهما - لكنه كان يعلم كل العلم أنه { رضي الله عنه } بريء من جميع الأدناس والرذائل .
وبعد أن تحدث معه ، أجابه الشيخ بكلماته الثابتة إلى يوم القيامة التي تستحق أن تكتب بماء الذهب والفضة : “ إن الرأي في تولي الدنيا أن تتولى عنها ، فتترك لأرباب الدولة الجديدة دنياهم “(11)... كما في المنن .
ولكن يبدوا أن هناك سؤالا يطرح نفسه بإلحاح : كيف لرجل بدون جيش ولا سلاح أن يقاوم طيلة هذه السنوات – ثماني حجج في البحر " الغابون " وسبع سنوات في الصحراء " الأراضي الموريتانية " وعشرون سنة في أرضه " اتيايين جولوف وديوربيل " والمجموع : ثلاث وثلاثين سنة تقريبا – في مواجهة قوم أولوا قوة وأولوا بأس شديد ؟!
وللإجابة عن هذا السؤال المطروح ، نحتاج إلى الإقتباس من الكتاب والسنة وفي ضوء تعاليمه وكتاباته اجمالا واختصارا . يقول الله تعالى في سورة النساء : وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً . النساء : ﴿ ﴾كما قال أيضا جل وعلا : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالذِينَ ءَامَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الَاشْهَٰدُ . غافر : ﴿52﴾ .
وروى مسلم بسند عن ثوبان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ “(12). وحديث آخر عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “ لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ(13) “ .
ويقول { رضي الله عنه } موضحا عن أسباب نفيه إلى الجزائر والحكمة الإلهية في ذلك :
يَــــا جُمْلَـــــةً قَـــــــدْ ثَلَّثُـــــــواْ بِضَلاَلِهِـــــــمْ
مَــــــنْ لَمْ يَكُــــــن وَلَـــــدٌ لَــــــهُ أَوْ وَالِـــدُ
أَخْرَجْتُمُونِـــــــــي نَـــــاطِقِيـــــــنَ بِأَنَّنِـــــــي
عَبْــــــدُ الإِلَــــــهِ وَإِنَّنِـــــــــي لَمُجَاهِـــــــدُ(14)
ويقول في نفس القصيدة :
وَمَقَـــــــالُكُمْ إِنِّـــــــي أُجَاهِــــــدُ صَــــــادِقٌ
إِنِّـــــي لِـــوَجْـــــهِ اللهِ جَـــــلَّ أُجَـــاهِـــــــدُ
إِنِّـــــي أُجَاهِــــــدُ بِالْـعُلُــــــومِ وَبِـــــالتُّقَــــى
عَبْــــداً خَدِيمـــــاً وَالْمُهَيْمِـــــنُ شَاهِـــــدُ (15)
وفي قصيــــــــدة أخــــــــــرى :
سَبَــــــــبُ غَـــــــيْبَــــــتِــــــــــــيَ أَنَّ اللهَ
أَرَادَ أَنْ أَنَـــــــالَ مِـــنْــــــــهُ جَاهَــــــــــا
وَأَنْ أَكُـــــــونَ شَـــافِــــعــــاً لِّقَــــوْمِـــــي
وَأَ نْ أَكُــــونَ خَـــادمــــاً فِــــــي دَوْمِ(16)
جدير بمثل هذا الشخص أن نفعل كل ما بوسعنا ونبذل قصارى جهدنا لنفهم ونعلم : أي رجل هو ؟ وكيف كان يعيش مع المجتمع حتى سابقوا إليه ويزدحمون عند بابه بكرة وعشيا ؟.
لم ينقطع وصالنا بحبال الخيرات بمجرد انتقال العبد الخديم إلى جوار ربه ، بل ترك وخلف أبناءه الأمجاد ذوي الأنوار وخلفاءه البررة ينشرون ما كان عليه والدهم ويعلون الهمم وتركوا إرثا عظيما . ومن الجدير بالذكر أنهم بعد رحيل والدهم إلى ربه الكريم المكرِّم لم تنهر عزائمهم ، بل زادت خفاقة . ولم يستسلموا لشماتة الأعداء ، بل استمروا في منهج والدهم الشيخ : زهدا وورعا وتقوى واتباعا لسنة المصطفى ﷺ . ألم تر كيف اعتنوا جدا بجمع كتابات الشيخ الخديم وقصائده ووصاياه ؟! وفتح المدارس والمعاهد والجامعات ؛ حرصا على سلوكيات الناس وسلامة المجتمع وازدهار البلد وتقدمه . وهم في الاتحاد والتضامن كمثل الجسد الواحد أو كبنيان مرصوص . لو كنت في مجلسهم لما كدت تعرف كبيرهم من صغيرهم كل واحد منهم يرى نور الشيخ في أخيه وأنه خير منه ويتخذه سيدا مع احترام كبير بينهم . علاوة على ذلك لكل منهم مزايا خصصت له ومميزات عرف بها. وسوف نبسط القول في هذه الحقائق في الفصول القادمة إن شاء الله .
بينما هناك عظماء مثل هؤلاء الذين غيروا مجرى الأيام والأعوام ، كنت دوما أريد أن أصنف كتابا فريدا في عصره ، موصوفا بجماله ,أتحدث فيه عن حياة هذا الشيخ الجليل ، والبطل الصنديد . رغم صعوبة الكتابة والتحدث في هذا المضمار ؛ نظرا لكثرة الخرافات والمبالغات المحيطة بحياته { رضي الله عنه } من بعض الرواة والخطباء الذين يسعون خلف مصالحهم الشخصية ويبتدعون قصصا لا توافق الواقع ولا الحقيقة . وأنا بدوري كباحث سأفعل كل ما أوتيت من قوة وكل ما استطعت لتمحيص القصص والروايات الضعيفة من الصحيحة . راجيا أن يكون هذا الكتاب مرجعا أساسيا ومصدرا رئيسيا للمسلمين عامة وللمريدين خاصة .
وسأذكر فيه حياة الشيخ الخديم مفصلة من المهد إلى اللحد ، وكل من ولي الخلافة المريدية : ابتداء من ابنه البكر وخليفته الأول : الشيخ محمد المصطفى . ومرورا بالخلفاء الأبرار الذين جاءوا من بعده . وإنهاء بخليفة عصرنا فضيلة الشيخ : محمد المنتقى ابن ابنه : الشيخ محمد البشير . حفظه الله ورعاه وأطال عمره وأكمل أمنياته . إضافة إلى ذكر أبنائه الكرام وبناته القانتات العابدات ومشايخ الطريقة المريدية . معتمدا على ما سمعته من بعض الرواة الثقات عندي وما حكوه لي مشافهة . وأمهات الكتب المريدية : كمنن الباقي البشير ، في سيرة الشيخ الخديم _ لابنه الشيخ محمد البشير امباكي . وإرواء النديم ، من عذب حب الخديم . لأمين سره الشيخ محمد الأمين ديوب الدغاني . والشيخ أحمد بامبا امباكي عبد الله وخديم رسوله الصادر عن لجنة : دائرة روض الرياحين . والنهج القويم في سيرة الشيخ الخديم للشيخ محمد المحمود انجينغ .......
والله الموفق للصواب ، وإليه المرجع والمآب . وعليه توكلنا ، نسأله سبحانه وتعالى : القبول والغفران . وهو ولي ذلك والقادر عليه وهو المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا به . والسلام علينا وعليكم وعلى عباد الصالحين !!! .
الكاتب :
المتفاني في حب شيخه : الشيخ الخديم البكي السلامي .
1447ه / ذو القعدة / 24
2026م / مايو / 12
الثلاثاء .
المصادر والمراجع :
(1) : صحيح البخاري ، لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر ، الطبعة : الأولى ، كتاب الرقاق ، باب التواضع ، ص 131، رقم الحديث : (6502) .
(2) : مسند البزار (البحر الزخار) ، لأبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق العتكي البزار ، تحقيق : د . محفوظ الرحمن زين الله ، مكتبة العلوم والحكم . ط : الأولى : 1424 هـ - 2003 م ، ص 351 ، رقم الحديث : (5172) .
(3) : أخرجه الإمام أحمد في مسنده ، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى ، تحقيق : شعيب الأرناؤوط وآخرون ، المجلد (45) ، ص 575 ، رقم الحديث : (27599) . وأخرجه ابن ماجه في سننه ، دار إحياء الكتب العربية (بيروت) ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، ص 1378 ، رقم الحديث : (4119) .
(4) : أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره ، مؤسسة الرسالة (بيروت) ، الطبعة الأولى ، 1421 هـ ، تحقيق : أحمد محمد شاكر ، ص 122 ، رقم : (17734) . وأخرجه مطولاً في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس وعلي)، مطبعة المدني ، تحقيق : محمود محمد شاكر ، ص 450 ، رقم الحديث : (744) .
(5) : قصيدته المقيدة بحروف قوله تعالى : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز....
(6) : قصيدته : منن الباقي القديم ، في معجزات الراقي المخدوم .
(7) : نهج قضاء الحاج ، للشيخ الخديم . ديوان العلوم الدينية : ط : 4 ، ص : 486 . وهو في : كشف المشكل لابن الجوزي .
(8) : منور الصدور . للشيخ الخديم . ديوان العلوم الدينية ، ط : الرابعة ، ص : 430 .
(9) : الشيخ أحمد بامبا : منن الباقي القديم ، قي معجزات الراقي القديم .
(10) : الشيخ أحمد بامبا امباكي عبد الله وخديم رسوله ، دائرة روض الرياحين ، ط : الأولى ، ص : 410 .
(11) : منن الباقي القديم ، قي سيرة الشيخ الخديم ، تحقيق : د : محمد شقرون ، ط : 2 بعد التحقيق ، ص : 152 .
(12) : صحيح مسلم ، للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري ، دار إحياء التراث العربي (بيروت) ، تحقيق : محمد فؤاد عبد الباقي ، ص : 1523 ، رقم الحديث: (1920) .
(13) :سنن الترمذي (الجامع الكبير) ، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن الترمذي ، تحقيق : بشار عواد معروف ، دار الغرب الإسلامي (بيروت)، ط : 1 ، ص : 95 ، رقم الحديث : (1392) ،
(14) : من قصيدته التي مطلعها : يا جملة قد ثلثوا بضلالهم **** من لم يكن ولد له أو والد .
(15) : المرجع السابق .
(16) : للشيخ الخديم رضي الله عنه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق