تنبه الشريعة الدولية والاتفاقيات والمواثيق العالمية إلى خطورة محاولات طمس الهوية الثقافية للشعوب، وإن من أبرز وأهم الأحداث والوقائع التاريخية المرتبطة بالقضية الفلسطينية ما أقدم عليه الاحتلال الإسرائيلي من مجازفات وممارسات ثقافية ممنهجة لغصب أرض فلسطين وتزييف تاريخها وتراثها العريق . وللتوسع داخل هذا الموضوع ومعالجته معالجة واضحة، سنقوم بطرح التساؤلات الآتية : ما هي أبرز مظاهر وأبعاد المجازفات الثقافية التي مارسها الاحتلال لغصب فلسطين؟ وكيف انعكس هذا السلوك الاستعماري على الهوية والتراث الفلسطيني؟
تتجلى أولى المجازفات والممارسات الثقافية للاحتلال في الاستهداف المباشر للمباني التاريخية والمعالم الأثرية والمقدسات الدينية التي تشهد على عروبة وأصالة الأرض الفلسطينية . وشمل هذا المظهر تدمير وتجريف مئات القرى والبلدات القديمة ، وتحويل المساجد والكنائس الأثرية أو إغلاقها ، فضلاً عن عمليات الحفر المستمرة أسفل وفي محيط المسجد الأقصى المبارك في القدس الشريف ، بهدف البحث عن شواهد تاريخية مصطنعة تدعم الرواية الاستعمارية وتختلق حقاً زائفاُ على حساب التاريخ الثابت والحقائق التاريخية الراسخة . وعلاوة على ذلك ، أقدمت آلة الاحتلال على استهداف المراكز الثقافية والمتاحف والمكتبات الوطنية وتدمير محتوياتها من المخطوطات والوثائق التاريخية النادرة ، محاولة بذلك قطع صلة الأجيال الفلسطينية الجديدة بإرثها المعرفي والحضاري التليد .
لم تقتصر المجازفات على الهدم المادي ، بل امتدت لتشمل حرباً لغوية وتسموية واسعة النطاق عُرفت بسياسة التهويد الممنهج للجغرافيا الفلسطينية . وتمثل هذا السلوك في محو الأسماء العربية الأصلية للمدن والقرى والشوارع والمعالم الطبيعية والجبال ، واستبدالها بأسماء وتسميات عبرية مستحدثة ومستوحاة من سرديات غريبة عن طابع الأرض وأهلها ، وذلك لإيهام العالم الخارجي بعراقة وجودهم المصطنع . ويمتد هذا السطو الاستعماري ليشمل مكونات التراث الفلسطيني اللامادي ، مثل محاولات سرقة ونسب الثوب الفلسطيني المطرز ، والمأكولات الشعبية التقليدية ، والفنون والرقصات الفلكلورية الأصيلة ، وعرضها في المحافل الدولية كجزء من الموروث الثقافي للاحتلال ، في مجازفة واضحة لتجريد الشعب الفلسطيني من ملامحه الروحية والحضارية ونسبها إلى الجلاد .
تتجسد المجازفة الثقافية الأكثر عمقاً في الملاحقة والتضييق المستمر على حملة الفكر والقلم من الأدباء ، والشعراء ، والمفكرين ، والفنانين الفلسطينيين الذين حملوا لواء الدفاع عن قضيتهم العادلة بوعي وعزيمة . وشملت هذه الممارسات فرض الرقابة الصارمة على المناهج التعليمية في القدس المحتلة لمنع تدريس التاريخ الفلسطيني ، وحظر الكتب والمصنفات الأدبية التي تذكي روح المقاومة والحفاظ على الهوية ، إلى جانب إغلاق المؤسسات التعليمية والثقافية بذرائع واهية تافهة . وبالمقابل ، يسخر الاحتلال ماكينته الإعلامية والأكاديمية الضخمة لترويج رواية ثقافية وتاريخية مضللة ومجحفة تقوم على تغييب الوجود الفلسطيني وإنكار حقوقه التاريخية المشروعة ، في محاولة يائسة ومستمرة لإقناع المجتمع الدولي بشرعية هذا الغصب وإلباسه لباسا حضاريا زائفا .
وفي نهاية هذا البيان المستفيض والمناقشة التاريخية، نخلص إجمالا إلى أن المجازفات والممارسات الثقافية التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي لغصب فلسطين تمثل وجهاً خطيراً من أوجه الاستعمار الاستيطاني الذي لا يكتفي بقهر وقسر الأجساد ومصادرة الأرض ، بل يسعى جاداً إلى صهر العقول وإبادة الهوية المعنوية للشعوب . ونستنتج في الختام ، أنَّ هذه المحاولات لطمس وتزييف التراث الفلسطيني قد باءت بالفشل أمام الصمود الثقافي الأسطوري للشعب الفلسطيني المستمسك بجذوره وأصالته وحقه التاريخي، ليبقى الوعي بالقضية وحبلها المتين شرياناً حياً نابضاً ينتقل من جيل إلى جيل في شتى بقاع الأرض، مؤكداً أنَّ الحقوق التاريخية الثابتة والمدعومة بنور العقل والعدالة لا يمكن أن تطمسها عواصف التزييف والمجازفات الاستعمارية العابرة .
يَا أَيُّهَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى
بَارَزْتُمُ الْمُنتَقِمَ الْجَبَّارَا
* * * *
وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ
وَيْلٌ لَّهُمْ وَيْلٌ لَّهُمْ تَبّاَ لَّهُمْ
لعنة الله على إسرائيل ومن والاها وغضب وذلة في الحياة الدنيا والغرق في دركات جهنم إلى أبد الآبدين .
المتفاني في حب شيخه :
الشيخ الخديم البكي السلامي .
1448ه / صفر / 28
2026م / أغسطس / 12
الأربعاء
موضوع مهم
ردحذفجزام الله خيرا